في إقامة الأسباب فانه تعالى ابى ان يجرى الأمور الا بأسبابها ، وهو الموفق بين الأسباب والمسببات ، وقد ينصر الفئة القليلة على الفئة الكثيرة ويمدهم بالقوة المعنوية والظاهرية ، كما حكى جل شأنه في الآيات التالية.
قوله تعالى : (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ).
بدر : اسم ماء أو بئر بين مكة والمدينة يقال انه كان لرجل من جهينة فسمي الموضع باسمه ، وقد وقع فيه أول غزوة من غزوات النبي (صلىاللهعليهوآله) في السابع عشر من شهر رمضان المبارك سنة اثنتين من الهجرة ، وفيها قاتل المشركين وانتصر فيها المسلمون.
واذلة جمع ذلة ، وانما ذكره عزوجل لبيان الذلة في جميع الشؤون الظاهرية المعدة لهذا المقام. وجملة (أَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) حال من مفعول (نَصَرَكُمُ) والمراد من الذلة نوع خاص منها هو القلة في العدد والعدة والانقطاع عن جميع الجهات الدنيوية.
والآية الشريفة تؤكد نصر الله تعالى للمؤمنين فتذكرهم بالنعم التي أنعمها عزوجل عليهم فقد نصرهم الله تعالى في بدر ذلك النصر الباهر على أعدائهم مع ما هم عليه من العدة والعدد كما أيد الله تعالى المؤمنين بالملائكة وهو يكفي في التنبيه على ان التوكل على الله تعالى بعد إقامة السبب الظاهري يؤثر الأثر الكبير العجيب ، فتكون الآية الشريفة مسوقة لإيجاب التوكل على الله تعالى بذكر أحد موارده ، كما انها تؤكد اللوم والعتاب على ما ظهر منهم من الهم بالفشل في أحد ، فكان الاجدر بهم ان لا يهنوا في الحرب فان الله تعالى على نصرهم لقدير كما نصرهم في غزوة بدر الكبرى مع ذلة المؤمنين ظاهرا واستذلال
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
