لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) فانه تعالى يبين بعض وجوه التفرق والاعراض عن الاعتصام بحبل الله في عصر ما قبل الإسلام ثم ما وصل اليه الأمر بعد التمسك بحبل الله والالتفاف حول الرسول الكريم والاجتماع على الاخوة ، كما عرفت في التفسير. فيكون الاعتصام بحبل الله حق الاعتصام علة تامة منحصرة لحفظ الاجتماع عن الخلاف والاختلاف حدوثا وبقاءا ، كما ان الانفصام عنه علة تامة منحصرة للنفاق والتفرق والخلاف والسقوط في هاوية الهلاك ، والعيان في كل ذلك يغني عن البيان والبرهان.
الرابع : يستفاد من التأكيد في إتيان لفظ «جميعا» والنهي عن التفرق في قوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) ان جعل الداعي إلى الاجتماع والمانع عن الخلاف والاختلاف امر حقيقي خارجي واقعي وواحد لا ان يكون اعتقاديا بان يدعي كل احد انه معتصم بحبل الله تعالى ولا يلزم الخلاف الباطل بضرورة العقل ، فيصح ان يقال انه كل ما حصل الخلاف والاختلاف لم يتحقق الاعتصام الحقيقي بحبل الله فيرجع محصل معنى الآية : ان اجعلوا انفسكم من مظاهر الاعتصام بالله. ولعل من احد اسرار هذا التأكيد على الاجتماع والنهي عن الاختلاف هو ما كان يعلمه الله تعالى من مستقبل هذه الأمة من وقوع الاختلاف فيها وانها تختلف كما اختلف غيرهم من اليهود والنصارى وهذا هو دأب القرآن الكريم انه إذا بالغ في التحذير عن شيء انما يريد التنبيه على ترتب وقوعه ، وهو من ملاحم القرآن الكريم.
الخامس : يدل قوله تعالى : (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) على وجوب النظر في الادلة والآيات والتفكر الصحيح المنتج فان في ذلك الهداية للإنسان.
![مواهب الرحمن في تفسير القرآن [ ج ٦ ] مواهب الرحمن في تفسير القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3959_mawaheb-alrahman-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
