حالية : أي : قالوا ذلك والحال أنهم ما قتلوه وما صلبوه (وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) أي : ألقي شبهه على غيره ؛ وقيل : لم يكونوا يعرفون شخصه وقتلوا الذي قتلوه وهم شاكون فيه (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ) أي : في شأن عيسى ، فقال بعضهم : قتلناه ، وقال من عاين رفعه إلى السماء : ما قتلناه ؛ وقيل : إن الاختلاف بينهم هو : أن النسطورية من النصارى قالوا : صلب عيسى من جهة ناسوته لا من جهة لاهوته ، وقالت الملكانية : وقع القتل والصلب على المسيح بكماله ناسوته ولا هوته ، ولهم من جنس هذا الاختلاف كلام طويل لا أصل له ، ولهذا قال الله : (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ) أي : في تردّد لا يخرج إلى حيز الصحة ، ولا إلى حيز البطلان في اعتقادهم ، بل هم مترددون مرتابون في شكهم يعمهون ، وفي جهلهم يتحيرون ، و (ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِ) من : زائدة لتوكيد نفي العلم ، والاستثناء منقطع ، أي : لكنهم يتبعون الظن ؛ وقيل : هو بدل مما قبله. والأوّل أولى. لا يقال : إن اتباع الظنّ ينافي الشكّ الذي أخبر الله عنهم بأنهم فيه ، لأن المراد هنا بالشك : التردد ، كما قدمنا ، والظنّ نوع منه ، وليس المراد به هنا : ترجح أحد الجانبين. قوله : (وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً) أي : قتلا يقينا ، على أنه صفة مصدر محذوف ، أو متيقنين ، على أنه حال ، وهذا على أن الضمير في قتلوه لعيسى ؛ وقيل : إنه يعود إلى الظن ، والمعنى : ما قتلوا ظنهم يقينا ، كقولك : قتلته علما ، إذا علمته علما تاما. قال أبو عبيدة : ولو كان المعنى : وما قتلوا عيسى يقينا ، لقال : وما قتلوه فقط ؛ وقيل : المعنى : وما قتلوا الذي شبه لهم ؛ وقيل : المعنى : بل رفعه إليه يقينا ، وهو خطأ ، لأنه لا يعمل ما بعد بل فيما قبلها. وأجاز ابن الأنباري : نصب يقينا بفعل مضمر هو جواب قسم ، ويكون (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) كلاما مستأنفا ، ولا وجه لهذه الأقوال ، والضمائر قبل قتلوه وبعده لعيسى ، وذكر اليقين هنا : لقصد التهكم بهم ، لإشعاره بعلمهم في الجملة. قوله : (بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) ردّ عليهم وإثبات لما هو الصحيح ، وقد تقدم ذكر رفعه عليهالسلام في آل عمران. قوله : (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) المراد بأهل الكتاب : اليهود والنصارى ، والمعنى : وما من أهل الكتاب أحد إلا والله ليؤمننّ به قبل موته ، والضمير في به : راجع إلى عيسى ، والضمير في موته : راجع إلى ما دلّ عليه الكلام ، وهو لفظ أحد المقدّر ، أو الكتابي المدلول عليه بأهل الكتاب ، وفيه دليل : على أنه لا يموت يهوديّ أو نصرانيّ إلا وقد آمن بالمسيح ؛ وقيل : كلا الضميرين لعيسى ، والمعنى : أنه لا يموت عيسى حتى يؤمن به كل كتابيّ في عصره ؛ وقيل : الضمير الأوّل لله ؛ وقيل : إلى محمد ، وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير ، وقال به جماعة من السلف ، وهو الظاهر ، والمراد : الإيمان به عند نزوله في آخر الزمان ، كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة (وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ) عيسى على أهل الكتاب (شَهِيداً) يشهد على اليهود بالتكذيب له ، وعلى النصارى بالغلوّ فيه حتى قالوا هو ابن الله.
وقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي قال : جاء ناس من اليهود إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالوا : إن موسى جاء بالألواح من عند الله ، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك ، فأنزل الله : (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّماءِ) إلى (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً). وأخرج ابن جرير ،
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
