وقيل : إن المعنى بسبب نقضهم ميثاقهم الذي أخذ منهم ، وهو العمل بما في التوراة ، وقد تقدّم رفع الجبل في البقرة ، وكذلك تفسير دخولهم الباب سجدا (وَقُلْنا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ) فتأخذوا ما أمرتم بتركه فيه من الحيتان ، وقد تقدّم تفسير ذلك ، وقرئ : لا تعتدوا ، وتعدّوا ، بفتح العين وتشديد الدال (وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً) مؤكدا ، وهو العهد الذي أخذه عليهم في التوراة ؛ وقيل : إنه عهد مؤكد باليمين ، فسمي غليظا لذلك. قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) ما : مزيدة للتوكيد ، أو نكرة ، ونقضهم : بدل منها ، والباء : متعلقة بمحذوف ، والتقدير : فبنقضهم ميثاقهم لعناهم. وقال الكسائي : هو متعلق بما قبله ، والمعنى : فأخذتهم الصاعقة بظلمهم إلى قوله : (فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ) قال : ففسر ظلمهم الذي أخذتهم الصاعقة بسببه بما بعده من نقضهم ميثاقهم وقتلهم الأنبياء وما بعده. وأنكر ذلك ابن جرير الطبري وغيره ، لأن الذين أخذتهم الصاعقة كانوا على عهد موسى ، والذين قتلوا الأنبياء ورموا مريم بالبهتان كانوا بعد موسى بزمان ، فلم تأخذ الصاعقة الذين أخذتهم برمتهم بالبهتان. قال المهدوي وغيره : وهذا لا يلزم لأنه يجوز أن يخبر عنهم ، والمراد آباؤهم ، وقال الزجاج : المعنى فبنقضهم ميثاقهم حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ، لأن هذه القصة ممتدة إلى قوله : (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا) ونقضهم الميثاق : أنه أخذ عليهم أن يبينوا صفة النبي صلىاللهعليهوسلم ؛ وقيل المعنى : فبنقضهم ميثاقهم وفعلهم كذا طبع الله على قلوبهم ؛ وقيل المعنى : فبنقضهم لا يؤمنون إلا قليلا ، والفاء في قوله : (فَلا يُؤْمِنُونَ) مقحمة. قوله : (وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللهِ) معطوف على ما قبله ، وكذا قوله : (وَقَتْلِهِمُ) ، والمراد بآيات الله : كتبهم التي حرّفوها ، والمراد بالأنبياء الذين قتلوهم : يحيى وزكرياء. وغلف : جمع أغلف ، وهو المغطى بالغلاف ، أي : قلوبنا في أغطية فلا نفقه ما تقول. وقيل : إن غلف : جمع غلاف ، والمعنى : أن قلوبهم أوعية للعلم ، فلا حاجة لهم إلى علم غير ما قد حوته قلوبهم ، وهو كقولهم : (قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ) (١) وغرضهم بهذا ردّ حجة الرسل. قوله : (بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ) هذه الجملة اعتراضية ؛ أي : ليس عدم قبولهم للحق بسبب كونها غلفا بحسب مقصدهم الذي يريدونه ، بل بحسب الطبع من الله عليها. والطبع : الختم ، وقد تقدم إيضاح معناه في البقرة ، وقوله : (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً) أي : هي مطبوع عليها من الله بسبب كفرهم فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا ، أو إلا قليلا منهم : كعبد الله بن سلام ومن أسلم معه منهم ، وقوله : (وَبِكُفْرِهِمْ) معطوف على قولهم ، وإعادة الجار : لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه ، وهذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفرا بعد كفر ؛ وقيل : إن المراد بهذا الكفر : كفرهم بالمسيح ، فحذف لدلالة ما بعده عليه. قوله : (وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً) هو رميها بيوسف النجار ، وكان من الصالحين. والبهتان : الكذب المفرط الذي يتعجب منه. قوله : (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ) معطوف على ما قبله ، وهو من جملة جناياتهم وذنوبهم ، لأنهم كذبوا بأنهم قتلوه ، وافتخروا بقتله ، وذكروه بالرسالة استهزاء ، لأنهم ينكرونها ولا يعترفون بأنه نبيّ ، وما ادّعوه من أنهم قتلوه قد اشتمل على بيان صفته وإيضاح حقيقته الإنجيل ، وما فيه هو من تحريف النصارى ، أبعدهم الله ، فقد كذبوا ، وصدق الله القائل في كتابه العزيز : (وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ) والجملة
__________________
(١). فصلت : ٥.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
