وهذه الآية محكمة عند جميع أهل العلم ، إلا ما يروى عن الكلبي ، فإنه قال : هي منسوخة بقوله تعالى : (وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ) (١) وهو مردود ، فإن من التقوى اجتناب مجالس هؤلاء الذين يكفرون بآيات الله ويستهزئون بها. قوله : (إِنَّ اللهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) هذا تعليل لكونهم مثلهم في الكفر ، قيل : وهم القاعدون والمقعود إليهم عند من جعل الخطاب موجها إلى المنافقين. قوله : (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) أي : ينتظرون بكم ما يتجدد ويحدث لكم من خير أو شرّ ، والموصول : في محل نصب على أنه صفة للمنافقين ، أو بدل منهم فقط دون الكافرين لأن التربص المذكور هو من المنافقين دون الكافرين ، ويجوز أن يكون في محل نصب على الذم ، (فَإِنْ كانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللهِ قالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) هذه الجملة والجملة التي بعدها حكاية لتربصهم ، أي : إن حصل لكم فتح من الله بالنصر على من يخالفكم من الكفار (قالُوا) لكم : (أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) في الاتصاف بظاهر الإسلام ، والتزام أحكامه ، والمظاهرة والتسويد وتكثير العدد؟ (وَإِنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ) من الغلب لكم والظفر بكم (قالُوا) للكافرين : (أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي : ألم نقهركم ونغلبكم ونتمكن منكم ولكن أبقينا عليكم؟ وقيل المعنى : إنهم قالوا للكفار الذين ظفروا بالمسلمين : ألم نستحوذ عليكم حتى هابكم المسلمون وخذلناهم عنكم؟ والأوّل أولى ، فإن معنى الاستحواذ : الغلب ، يقال : استحوذ على كذا ، أي : غلب عليه ، ومنه قوله تعالى : (اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ) (٢) ولا يصح أن يقال : ألم نغلبكم حتى هابكم المسلمون؟ ولكن المعنى : ألم نغلبكم يا معشر الكافرين ، ونتمكن منكم ، فتركناكم وأبقينا عليكم حتى حصل لكم هذا الظفر بالمسلمين؟ (وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بتخذيلهم وتثبيطهم عنكم ، حتى ضعفت قلوبهم عن الدفع لكم ، وعجزوا عن الانتصاف منكم ؛ والمراد : أنهم يميلون مع من له الغلب والظفر من الطائفتين ، ويظهرون لهم أنهم كانوا معهم على الطائفة المغلوبة ، وهذا شأن المنافقين أبعدهم الله ، وشأن من حذا حذوهم من أهل الإسلام من التظهر لكل طائفة بأنه معها على الأخرى ، والميل إلى من معه الحظ في الدنيا في مال أو جاه ، فيلقاه بالتملق والتودد والخضوع والذلة ، ويلقى من لا حظ له من الدنيا بالشدّة والغلظة وسوء الخلق ، ويزدري به ويكافحه بكل مكروه ، فقبح الله أخلاق أهل النفاق وأبعدها. قوله : (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله ، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق ، وتظهر الضمائر ، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم ، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقا (وَلَنْ يَجْعَلَ اللهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) ، هذا في يوم القيامة إذا كان المراد بالسبيل النصر والغلب ، أو في الدنيا إن كان المراد به الحجة. قال ابن عطية : قال جميع أهل التأويل : إن المراد بذلك : يوم القيامة. قال ابن العربي : وهذا ضعيف لعدم فائدة الخبر فيه ، وسببه توهم من توهم أن آخر الكلام يرجع إلى أوّله ، يعني قوله : (فَاللهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) وذلك يسقط فائدته ، إذ يكون تكرارا ، هذا معنى كلامه ، وقيل : المعنى : إن الله لا يجعل للكافرين سبيلا على المؤمنين يمحو به دولتهم ، ويذهب آثارهم ، ويستبيح ببضتهم ، كما يفيده الحديث الثابت في الصحيح : «وأن لا أسلّط عليهم عدوّا من سوى أنفسهم ، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بأقطارها ، حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا ويسبي
__________________
(١). الأنعام : ٦٩.
(٢). المجادلة : ١٩.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
