فِي السَّماءِ بُرُوجاً) (١) (وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً) (٢) وقيل : إن المراد بالبروج المشيدة هنا : قصور من حديد. وقرأ طلحة بن سليمان : (يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) : بالرفع على تقدير الفاء كما في قوله :
وقال رائدهم أرسوا نزاولها
قوله : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) هذا وما بعده مختص بالمنافقين ، أي : إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى ، وإن تصبهم بلية ونقمة نسبوها إلى رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، فردّ الله ذلك عليهم بقوله : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ليس كما تزعمون ، ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال : (فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) أي : ما بالهم هكذا. قوله : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ) هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس ، أو لرسول الله صلىاللهعليهوسلم تعريضا لأمته ، أي : ما أصابك من خصب ورخاء وصحة وسلامة فمن الله ، بفضله ورحمته ، وما أصابك من جهد وبلاء وشدّة فمن نفسك ، بذنب أتيته فعوقبت عليه ؛ وقيل : إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا ، أي : فيقولون ما أصابك من حسنة فمن الله ، وقيل : إن ألف الاستفهام مضمرة ، أي : أفمن نفسك؟ ومثله قوله تعالى : (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَ) (٣) والمعنى : أو تلك نعمة؟ ومثله قوله : (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي) (٤) أي : أهذا ربي ، ومنه قول أبي خراش الهذلي :
|
رموني وقالوا يا خويلد لم ترع |
|
فقلت وأنكرت الوجوه هم هم |
أي : أهم أهم؟ وهذا خلاف الظاهر ، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية ، كقوله تعالى : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) (٥) ، وقوله : (أَوَلَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) (٦). وقد يظن أن قوله : (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) مناف لقوله : (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ) ولقوله : (وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللهِ) (٧) ، وقوله : (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) وقوله : (وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ) (٨) وليس الأمر كذلك ، فالجمع ممكن كما هو مقرّر في مواطنه. قوله : (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) فيه البيان لعموم رسالته صلىاللهعليهوسلم إلى الجميع ، كما يفيده التأكيد بالمصدر ، والعموم في الناس ، ومثله قوله : (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) (٩) ، وقوله : (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) (١٠) (وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً) (١١) على ذلك. قوله : (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهَ) فيه : أن طاعة الرسول طاعة لله ، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله صلىاللهعليهوسلم وعلوّ شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ، ولا يبلغ مداه ، ووجهه : أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به ، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه. (وَمَنْ تَوَلَّى) أي : أعرض (فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) أي : حافظا لأعمالهم ، إنما عليك البلاغ ، وقد نسخ هذا بآية السيف (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ) بالرفع ، على أنها خبر مبتدأ محذوف ، أي : أمرنا طاعة ، أو شأننا طاعة. وقرأ الحسن ، والجحدري ، ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر : أي : نطيع طاعة ، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين ، أي : يقولون إذا كانوا عندك طاعة (فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي : خرجوا من عندك (بَيَّتَ
__________________
(١). الفرقان : ٦١.
(٢). الحجر : ١٦.
(٣). الشعراء : ٢٢.
(٤). الأنعام : ٧٧.
(٥). الشورى : ٣٠.
(٦). آل عمران : ١٦٥.
(٧). آل عمران : ١٦٦.
(٨). الرعد : ١١.
(٩). سبأ : ٢٨.
(١٠). الأعراف : ١٥٨.
(١١) الفتح : ٢٨.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
