طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفى بِاللهِ وَكِيلاً (٨١))
قوله : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) الآية ، قيل : هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه. فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين ، بل خوفا من الموت ، وفرقا من هول القتل ؛ وقيل : إنها نزلت في اليهود ؛ وقيل : في المنافقين ، أسلموا قبل فرض القتال ، فلما فرض كرهوه ، وهذا أشبه بالسياق لقوله : (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) وقوله : (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) الآية ، ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة. قوله : (كَخَشْيَةِ اللهِ) صفة مصدر محذوف ، أي : خشية كخشية الله ، أو حال ، أي : تخشونهم مشبهين أهل خشية الله ، والمصدر مضاف إلى المفعول ، أي : كخشيتهم الله. وقوله : (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) معطوف على كخشية الله ، في محل جر ، أو معطوف على الجار والمجرور جميعا ، فيكون : في محل الحال ، كالمعطوف عليه ، وأو : للتنويع ، على معنى : أن خشية بعضهم كخشية الله ، وخشية بعضهم أشد منها. قوله : (وَقالُوا) عطف على ما يدل عليه قوله : (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي : فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم خشية الناس (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا) أي : هلا أخرتنا ، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال ، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم فقال : (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) : سريع الفناء لا يدوم لصاحبه ، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل (لِمَنِ اتَّقى) منكم ، ورغب في الثواب الدائم (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي : شيئا حقيرا يسيرا ، وقد تقدّم تفسير الفتيل قريبا ، وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئا منها ، فكيف ترغبون عن ذلك وتشغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه؟ وقوله : (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) كلام مبتدأ ، وفيه حثّ لمن قعد عن القتال خشية الموت. وبيان لفساد ما خالطه من الجبن ، وخامره من الخشية ، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة ، والبروج : جمع برج : وهو البناء المرتفع ، والمشيدة : المرفعة ، من شاد القصر : إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجصّ. وجواب لو لا : محذوف لدلالة ما قبله عليه :
فمن لم يمت بالسّيف مات بغيره (١)
وقد اختلف في هذه البروج ما هي؟ فقيل : الحصون التي في الأرض. وقيل : هي القصور. قال الزجاج والقتبي : ومعنى مشيدة : مطوّلة ؛ وقيل : معناه : مطلية بالشيد وهو الجص ؛ وقيل : المراد بالبروج : بروج في سماء الدنيا مبنية ، حكاه مكّي عن مالك ، وقال : ألا ترى إلى قوله : (وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ) (٢) (جَعَلَ
__________________
(١). وعجزه : تعددت الأسباب والموت واحد.
(٢). البروج : ١.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
