|
ترّاك أمكنة إذا لم أرضها |
|
أو يرتبط بعض النفوس حمامها |
قال القرطبي : وهذا القول غلط عند أهل النظر من أهل اللغة ، لأن البعض والجزء لا يكونان بمعنى الكل ، ولأن عيسى لم يحلل لهم جميع ما حرّمته عليهم التوراة ، فإنه لم يحلل القتل ولا السرقة ولا الفاحشة وغير ذلك من المحرّمات الثابتة في الإنجيل ، مع كونها ثابتة في التوراة ، وهي كثيرة يعرف ذلك من يعرف الكتابين ، ولكنه قد يقع البعض موضع الكل مع القرينة كقول الشاعر :
|
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا |
|
حنانيك بعض الشّرّ أهون من بعض |
أي : بعض الشرّ أهون من كله. قوله : (بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) هي قوله : (إِنَّ اللهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ) وإنما كان ذلك آية ، لأن من قبله من الرسل كانوا يقولون ذلك ، فمجيئه بما جاءت به الرسل يكون علامة على نبوته. ويحتمل أن تكون هذه الآية هي الآية المتقدّمة فتكون تكريرا لقوله : (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ) الآية.
وقد أخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (بِكَلِمَةٍ) قال : عيسى هو الكلمة من الله. وأخرج ابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : المهد : مضجع الصبيّ في رضاعه. وقد ثبت في الصحيح أنه لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة : عيسى ، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج كان يصلي ، فجاءته أمه فدعته فقال : أجيبها أو أصلي؟ فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات ، وكان جريج في صومعة فتعرضت له امرأة وكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما فقالت : من جريج ، فأتوه فكسروا صومعته وأنزلوه وسبوه ، فتوضأ وصلّى ثم أتى الغلام فقال : من أبوك يا غلام؟ قال : الراعي ، قالوا : نبني صومعتك من ذهب؟ قال : لا إلا من طين ، وكانت امرأة من بني إسرائيل ترضع ابنا لها ، فمرّ بها رجل راكب ذو شارة ، فقالت : اللهم اجعل ابني مثله ، فترك ثديها وأقبل على الراكب فقال : اللهم لا تجعلني مثله ، ثم أقبل على ثديها يمصه ، ثم مرّ بأمة تجرر ويلعب بها فقالت : اللهم لا تجعل ابني مثل هذه ، فترك ثديها فقال : اللهمّ اجعلني مثلها ، فقالت : لم ذاك؟ فقال : الراكب جبار من الجبابرة ، وهذه الأمة يقولون لها : زنيت ، وتقول : حسبي الله ونعم الوكيل. ويقولون : سرقت ، وتقول : حسبي الله. وأخرج أبو الشيخ ، والحاكم ، وصححه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «لم يتكلّم في المهد إلا عيسى ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريج ، وابن ماشطة فرعون». وأخرج عبد ابن حميد ، وابن جرير عن قتادة في قوله : (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً) قال : يكلمهم صغيرا وكبيرا. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : الكهل : هو من في سن الكهولة. وأخرج عبد بن حميد ، وابن جرير وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال : الكهل : الحليم. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : (وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ) قال : الخط بالقلم. وأخرج ابن جرير عن ابن جريج نحوه. وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس قال : إنما خلق عيسى طائرا واحدا وهو الخفاش. وأخرج ابن جريج ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم من طريق
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
