(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) قال الفرّاء : معناه : لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود والنصارى. قال في الكشاف : وأحد : في معنى الجماعة ، ولذلك صحّ دخول بين عليه. وقوله : (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ) هذا الخطاب للمسلمين أيضا ، أي : فإن آمن أهل الكتاب وغيرهم بمثل ما آمنتم به من جميع كتب الله ورسله ؛ ولم يفرّقوا بين أحد منهم ؛ فقد اهتدوا ، وعلى هذا : فمثل زائدة ، كقوله : (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (١) وقول الشاعر :
فصيّروا مثل كعصف مأكول
وقيل : إن المماثلة وقعت بين الإيمانين ، أي : فإن آمنوا بمثل إيمانكم. وقال في الكشاف : إنه من باب التبكيت ، لأن دين الحقّ واحد لا مثل له ؛ وهو دين الإسلام ، قال : أي : فإن حصلوا دينا آخر مثل دينكم مساويا له في الصحة والسّداد فقد اهتدوا ؛ وقيل : إن الباء زائدة مؤكدة ؛ وقيل : إنها للاستعانة. والشقاق أصله من الشق وهو الجانب ، كأنّ كل واحد من الفريقين في جانب غير الجانب الذي فيه الآخر ؛ وقيل : إنه مأخوذ من فعل ما يشقّ ويصعب ، فكل واحد من الفريقين يحرص على فعل ما يشق على صاحبه ، ويصح حمل الآية على كل واحد من المعنيين ، وكذلك قول الشاعر :
|
وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم |
|
بغاة ما بقينا في شقاق |
وقول الآخر :
|
إلى كم تقتل العلماء قسرا |
|
وتفجر بالشّقاق وبالنّفاق |
وقوله : (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ) وعد من الله تعالى لنبيه أنه سيكفيه من عانده وخالفه من المتولين ، وقد أنجز له وعده بما أنزله من بأسه بقريظة والنضير وبني قينقاع. وقوله : (صِبْغَةَ اللهِ) قال الأخفش وغيره : أي : دين الله ، قال : وهي منتصبة على البدل من ملة. وقال الكسائي : هي منصوبة على تقدير اتبعوا ، أو على الإغراء ، أي : الزموا ، ورجّح الزجاج الانتصاب على البدل من ملة ، كما قاله الفراء. وقال في الكشاف : إنها مصدر مؤكد منتصب عن قوله : (آمَنَّا بِاللهِ) كما انتصب ـ وعد الله ـ عما تقدّمه ؛ وهي فعلة من صبغ ، كالجلسة من جلس ، وهي الحالة التي يقع عليها الصبغ ، والمعنى : تطهير الله ، لأن الإيمان تطهير النفوس. انتهى ، وبه قال سيبويه ، أي : كونه مصدرا مؤكدا. وقد ذكر المفسرون : أن أصل ذلك أن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في الماء ، وهو الذي يسمّونه : المعمودية ، ويجعلون ذلك تطهيرا لهم ، فإذا فعلوا ذلك قالوا الآن صار نصرانيا حقا ، فردّ الله عليهم بقوله : (صِبْغَةَ اللهِ) أي : الإسلام ، وسمّاه صبغة : استعارة ، ومنه قول بعض شعراء همدان :
|
وكلّ أناس لهم صبغة |
|
وصبغة همدان خير الصّبغ |
|
صبغنا على ذاك أولادنا |
|
فأكرم بصبغتنا في الصّبغ |
__________________
(١). الشورى : ١١.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
