وقيل : إن الصبغة : الاغتسال لمن أراد الدخول في الإسلام بدلا من معمودية النصارى ، ذكره الماوردي. وقال الجوهري : صبغة الله : دينه ، وهو يؤيد ما تقدم عن الفرّاء ؛ وقيل : الصبغة : الختان. وقوله : (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ) أي : أتجادلوننا في الله ، أي : في دينه والقرب منه والحظوة عنده ، وذلك كقولهم : (نَحْنُ أَبْناءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) (١) وقرأ ابن محيصن : أتحاجّونّا بالإدغام لاجتماع المثلين. وقوله : (وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ) أي : نشترك نحن وأنتم في ربوبيته لنا وعبوديتنا له ، فكيف تدّعون أنكم أولى به منا وتحاجوننا في ذلك. وقوله : (لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) أي : لنا أعمال ولكم أعمال ، فلستم بأولى بالله منا ، وهو مثل قوله تعالى : (فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (٢). وقوله : (وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي : نحن أهل الإخلاص للعبادة دونكم ، وهو المعيار الذي يكون به التفاضل والخصلة التي يكون صاحبها أولى بالله سبحانه من غيره ، فكيف تدّعون لأنفسكم ما نحن أولى به منكم وأحق؟ وفيه توبيخ لهم وقطع لما جاءوا به من المجادلة والمناظرة. وقوله : (أَمْ يَقُولُونَ) قرأ حمزة والكسائي وعاصم في رواية حفص (تَقُولُونَ) بالتاء الفوقية ، وعلى هذه القراءة تكون أم هاهنا معادلة للهمزة في قوله : (أَتُحَاجُّونَنا) أي : أتحاجوننا في الله أم تقولون إن هؤلاء الأنبياء على دينكم ؛ وعلى قراءة الياء التحتية تكون أم : منقطعة ، أي : بل يقولون : وقوله : (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ) فيه تقريع وتوبيخ ، أي : أن الله أخبرنا بأنهم لم يكونوا هودا ولا نصارى ، وأنتم تدّعون أنهم كانوا هودا ونصارى ، فهل أنتم أعلم أم الله سبحانه؟ وقوله : (وَمَنْ أَظْلَمُ) استفهام ، أي : لا أحد أظلم (مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ) يحتمل أن يريد بذلك الذّم لأهل الكتاب بأنهم يعلمون أن هؤلاء الأنبياء ما كانوا هودا ولا نصارى ، بل كانوا على الملة الإسلامية ، فظلموا أنفسهم بكتمهم لهذه الشهادة ، بل بادّعائهم لما هو مخالف لها ، وهو أشدّ في الذنب ممن اقتصر على مجرد الكتم الذي لا أحد أظلم منه ؛ ويحتمل أن المراد أن المسلمين لو كتموا هذه الشهادة لم يكن أحد أظلم منهم ، ويكون المراد بذلك التعريض بأهل الكتاب ؛ وقيل : المراد هنا ما كتموه من صفة محمد صلىاللهعليهوسلم. وفي قوله : (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيد شديد ، وتهديد ليس عليه مزيد ، وإعلام بأن الله سبحانه لا يترك عقوبتهم على هذا الظلم القبيح والذنب الفظيع ، وكرّر قوله سبحانه : (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) إلى آخر الآية لتضمنها معنى التهديد والتخويف الذي هو المقصود في هذا المقام.
وقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي العالية في قوله : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) يعني : أهل الكتاب. وأخرج أيضا عن الحسن في قوله : (أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ) قال : يقول : لم يشهد اليهود ولا النصارى ولا أحد من الناس يعقوب إذ أخذ على بنيه الميثاق إذ حضره الموت أن لا تعبدوا إلا الله ، فأقرّوا بذلك وشهد عليهم أن قد أقرّوا بعبادتهم أنهم مسلمون. وأخرج عن ابن عباس أنه كان يقول : الجدّ : أب ويتلو الآية. وأخرج أيضا عن أبي العالية في الآية قال : سمّى العمّ أبا. وأخرج أيضا نحوه عن محمد بن كعب. وأخرج ابن إسحاق ، وابن جرير ، وابن المنذر ، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : قال عبد الله بن صوريا الأعور للنبيّ صلىاللهعليهوسلم : ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد ، وقالت النصارى مثل هذا ، فأنزل الله فيهم : (وَقالُوا كُونُوا
__________________
(١). المائدة : ١٨.
(٢). يونس : ٤١.
![فتح القدير [ ج ١ ] فتح القدير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3958_fath-alghadir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
