والاستفهام في قوله ـ تعالى ـ : (أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ) للتقرير ـ أيضا ـ أى : لقد جعل الله ـ تعالى ـ مكر أصحاب الفيل وسعيهم لتخريب الكعبة ، في (تَضْلِيلٍ) أى : في تخسير وإبطال وتضييع ، بأن تبرهم ـ سبحانه ـ تتبيرا ودمرهم تدميرا.
والكيد : إرادة وقوع الإضرار بالغير في خفية ، وسمى ـ سبحانه ـ ما فعله أبرهة وجيشه كيدا ، مع أنهم جاءوا لهدم الكعبة جهارا نهارا ... لأنهم كانوا يضمرون من الحقد والحسد والعداوة لأهل مكة ، أكثر مما كانوا يظهرونه ، فهم ـ كما قال ـ تعالى ـ : (قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ ، وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ...).
والمقصود بالتضليل هنا : التضييع والإبطال. تقول : ضللت كيد فلان ، إذا جعلته باطلا ضائعا.
ثم بين ـ سبحانه ـ مظاهر إبطاله لكيدهم فقال : (وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ).
والطير : اسم جمع لكل ما من شأنه أن يطير في الهواء ، وتنكيره للتنويع والتهويل ، والأبابيل : اسم جمع لا واحد له من لفظه ، وقيل هو جمع إبّالة ، وهي حزمة الحطب الكبيرة ، شبهت بها الجماعة من الطير في تضامنها وتلاصقها.
أى : لقد جعل الله ـ تعالى ـ كيد هؤلاء المعتدين في تضييع وتخسير ... بأن أرسل إليهم جماعات عظيمة من الطير ، أتتهم من كل جانب في تتابع ، فكانت سببا في إهلاكهم والقضاء عليهم ... (وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ).
وجملة : «ترميهم بحجارة من سجيل» بيان لما فعلته تلك الطيور بإذن الله ـ تعالى ـ ، وهي حال من قوله (طَيْراً) ، والسجيل : الطين اليابس المتحجر ...
قال بعض العلماء : قوله : (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) أى : من طين متحجر محرق.
أو بحجارة من جملة العذاب المكتوب المدون في السجيل ، وهو الديوان الذي كتب فيه عذاب الكفار ، كما أن السجيل هو الديوان الذي كتبت فيه أعمالهم. واشتقاقه من الإسجال بمعنى الإرسال.
وعن عكرمة : كانت ترميهم بحجارة معها كالحمّصة ، فإذا أصاب أحدهم حجر منها ، خرج به الجدري ، وكان ذلك أول يوم رئي فيه الجدري بأرض العرب.
وقال ابن عباس : كان الحجر إذا وقع على أحدهم نفط جلده أى : احترق ـ ، فكان ذلك أول الجدري. وقيل : إن أول ما رؤيت الحصبة والجدري بأرض العرب ذلك العام.
وقال ابن جزى في تفسيره : إن الحجر كان يدخل من رأس أحدهم ويخرج من أسفله.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١٥ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3957_altafsir-alwasit-15%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
