وأجاب الله ـ تعالى ـ دعاء عبده إبراهيم ، كما حكى ذلك في قوله : (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ).
أى : فاستجبنا لإبراهيم دعاءه فبشرناه على لسان ملائكتنا بغلام موصوف بالحلم وبمكارم الأخلاق.
قال صاحب الكشاف : ـ وقد انطوت البشارة على ثلاثة : على أن الولد غلام ذكر ، وأنه يبلغ أوان الحلم ، وأنه يكون حليما (١).
وهذا الغلام الذي بشره الله ـ تعالى ـ به. المقصود به هنا إسماعيل ـ عليهالسلام ـ.
والفاء في قوله ـ تعالى ـ : (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) فصيحة ، أى : بشرناه بهذا الغلام الحليم ، ثم عاش هذا الغلام حتى بلغ السن التي في إمكانه أن يسعى معه فيها ، ليساعده في قضاء مصالحه.
قيل : كانت سن إسماعيل في ذلك الوقت ثلاث عشرة سنة.
(قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ما ذا تَرى).
أى : فلما بلغ الغلام مع أبيه هذه السن ، قال الأب لابنه : يا بنى إنى رأيت في منامي أنى أذبحك ، فانظر ماذا ترى في شأن نفسك.
قال الآلوسى ما ملخصه : يحتمل أنه ـ عليهالسلام ـ رأى في منامه أنه فعل ذلك .. ويحتمل أنه رأى ما تأويله ذلك ، ولكنه لم يذكره وذكر التأويل ، كما يقول الممتحن وقد رأى أنه راكب سفينة : رأيت في المنام أنى ناج من هذه المحنة.
ورؤيا الأنبياء وحى كالوحى في اليقظة ، وفي رواية أنه رأى ذلك في ليلة التروية فأخذ يفكر في أمره ، فسميت بذلك ، فلما رأى ما رآه سابقا عرف أن هذه الرؤيا من الله ، فسمى بيوم عرفة ، ثم رأى مثل ذلك في الليلة الثالثة فهمّ بنحره فسمى بيوم النحر.
ولعل السر في كونه مناما لا يقظة ، أن تكون المبادرة إلى الامتثال ، أدل على كمال الانقياد والإخلاص .. (٢).
وإنما شاوره بقوله : (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) مع أنه سينفذ ما أمره الله ـ تعالى ـ به في منامه سواء رضى إسماعيل أم لم يرض ، لأن في هذه المشاورة إعلاما له بما رآه ، لكي يتقبله بثبات وصبر ، وليكون نزول هذا الأمر عليه أهون ، وليختبر عزمه وجلده.
__________________
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٥٣.
(٢) تفسير الآلوسى ج ٢٣ ص ١٢٩.
![التفسير الوسيط للقرآن الكريم [ ج ١٢ ] التفسير الوسيط للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3952_altafsir-alwasit-12%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
