رفع الله الحجب وسقاهم من تسنيم شراب الوصال في كشوف الجمال بقوله : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ).
أثبت سبحانه وبيّن أن صدروا أهل الولاية ، وأهل بساط القرب مع إنها مكان نور الإسلام واليقين فائضا فيها أماكن علل الإنسانية من الغلّ والغشّ ، ولا يخرج الأولياء من هذه العلل ، وعن حد البشرية حتى لا يظن ظانّ أنهم خلقوا مقدسين ، وإذا كان كما توهموا فأين محل الامتنان عليهم بإضافة تقديس صدورهم بتفضله ، ونزعه عن أسرارهم كل خاطر لا يليق بحضرته وتصديق ذلك قول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ـ كرم الله وجهه ـ قال : «فينا والله أهل بدر نزلت : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ) [الحجر : ٤٧]» (١).
وأيضا : يحتمل أن هذا النزع إشارة إلى أن قلوبهم خلقت مقدسة عن هذه الشوائب ؛ لأنها محل نظر الله ، وفي هذه العلّة تجري على صدورهم الخارجة عن القلوب ؛ لأنها موضع وسوسة الشيطان بقوله تعالى : (الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ) [الناس : ٥] والعلّة إذا لم تدخل القلب فهي طارئة لا يثبت أثرها ، فعلّة الأولياء في الصدور ، وعلّة العموم في القلوب.
قيل : هو التحاسد والتباغض والتدابر الذي نهى رسول الله ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ عنها.
وقال بعضهم : من تحظّى بساط القرب سقط عنه رعونات النفس وحظوظ الشيطان ، قال الله : (وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ) وعندي والله أعلم ألا يبلغ أحد إلى درجة الولاية.
وقيل : ذلك قدّس الله صدره عن جميع العلّة وتصديق ذلك قول النبي صلىاللهعليهوسلم حيث وصفهم بسلامة صدورهم والنصيحة للأمة ، وذلك حين وصفهم عند أصحابه بسني الدرجات ورفيع الكرامات ، فقيل : يا رسول الله ، بم نالوا؟ قال : «بسلامة صدورهم والنصيحة للأمة» (٢).
ثم أثنى الله عليهم عقب الآية بأنهم عرفوا فضل الله عليهم في قديم إحسانه ولطيف إنعامه الذي لا تدخل فيه علّة الاكتساب ، ولا رحمة الاجتهاد بقوله حكاية عنهم حين تجدون
__________________
(١) ذكره الهندي في كنز العمال (٢ / ٤٥٠).
(٢) رواه البيهقي في الشعب (٧ / ٤٣٠).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
