المعنى البادي عليه ، أي : لا أحب زوال ما استوفاني من لذة المشاهدة ، فأذهلني ، وأحضري فيه.
وقال بعضهم : لمّا أظلم عليه الكون ، وعمي عن الاختيار ، وألجأه الاضطرار إلى نفس الاضطرار ، ورد على قلبه من أنوار الربوبية ، فقال : (هذا رَبِّي).
ثم كوشف له عن أنوار الهيبة ، فازداد نورا ، فصاح ، ثم أفني بنور الإلهية عن معنى البشرية ، فقال : (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) ، ثم أبقي ببقاء الباقي ، فقال : (يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ).
قال الواسطي في قوله : (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي) : لئن لم يقمني ربي على الهداية التي شاهدتها بإعلام بواديه لأكونن من الضالين في نظري إلى نفسي ، وبقائي في صفاتي.
قيل في قوله : (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) من الاستدلال بالمخلوقات على الخالق بعلمي ، إنه لا دليل على الله سواه.
قال الواسطي في قوله تعالى : (وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي : مني الدعوة ومن الله الهداية.
وقال جعفر عليهالسلام في قوله : (إِنِّي وَجَّهْتُ) يعني : أسلمت قلبي للذي خلقه ، وانقطعت إليه من كل شاغل ، وشغل بالذي فطر السماوات والأرض ، فإن الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ، وأظهر فيها بدائع صنعه قادر على حفظ قلبي من الخواطر المذمومة والوساوس التي لا تليق بالحق.
قال بعضهم : كان لإبراهيم خليل الرحمن عليهالسلام مقامات : الأول : مقام الفاقة ، والثاني : مقام النعمة ، والثالث : مقام المعذرة ، والرابع : مقام المحبة ، والخامس : مقام المعرفة ، والسادس : مقام الهيبة ، فتكلم في مقام الفاقة بلسان الدعوة فقال : (اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) [إبراهيم : ٤٠] ، وفي مقام النعمة بلسان الشكر ، وقال : (الَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ) [الشعراء : ٧٩] ، وفي مقام الاعتذار بقوله : (وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ) [الشعراء : ٨٢] ، وفي مقام المحبة بلسان المودة : (إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) [الأنعام : ٧٨] ، وفي مقام المعرفة بلسان الانبساط : (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) [البقرة : ٢٦٠] ، وفي مقام الهيبة بالسكون لمّا قال له جبريل عليهالسلام : «هل لك من حاجة؟ قال : أما
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
