وقدره.
(وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ (١١١) إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣))
قوله تعالى : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي) وحي الله إلى المرسلين يكون خاصّا ويكون عامّا ، الخاص بغير واسطة ، والعام بواسطة جبريل عليهالسلام ، وللوحي الخاص مراتب : وحي بالفعل ، ووحي بالصفة ، ووحي بالذات ، وحي الذات يكون في مقام التوحيد عند رؤية العظمة والكبرياء ، وهناك محل الفناء ، ووحي الصفات يكون في مقام المعرفة عند تجلّي الجلال ، وهناك محل البقاء ، ووحي الفعل يكون في مقام العشق والمحبة ، وهناك منازل الأنس والانبساط ، وهاهنا للأنبياء والأولياء نصيب ، وليس لهم في الوحي برسالة الملك نصيب ، وحي منزل التوحيد بالكلام ، ووحي منزل المعرفة الحديث ، ووحي منزل العشق الإلهام ، ومقام الإلهام منقسم على الإلهام الذاتي والصفاتي والفعلي ، وربما يكون الإلهام الفعلي بواسطة الملك والروح والقلب والعقل والسر وحركة الفطرة ، وربما يرد على السمع قرع هواتف الغيب ظاهرا ، وربما يكون بلسان الخلق حركات الأكوان ، ولا يعرف هذه المقامات إلا ذو منصب في معرفة الخواطر وحقائق علومها ، وهاهنا وحي الصفاتي الذي يتولد منه الإيمان والمعرفة.
ألا ترى إلى قوله سبحانه : (وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي) أي : اعرفوني وصدقوني فيما كشفت لكم من أنوار الغيب في قلوبكم وبرسولي فيما أرسلت إليه من أنباء الغيب وبيان شرائط الشرع في نعوت العبودية.
قوله : (آمِنُوا بِي) مقام الجمع ، و (وَبِرَسُولِي) مقام التفرقة.
قوله تعالى : (إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ) تفحص القوم مكانتهم من عند الله سبحانه بتأييد الظاهر ومشاهدة المعجزة جهرا ؛ لأنهم موقنون مشاهدون بالقلوب والأرواح والأسرار حقائق الغيب ، ورأوا منازلهم في محل القرب والخطاب عند كشف رؤية الحق لإبصار قلوبهم ، لكن القوم ليسوا بمتمكنين في شهود الغيب ، تجري عليهم أحكام أهل التلوين من معارضة النفس والعدو في رؤية الغيب ، وطلبوا آيات الله ؛ لدفع المعارضة وطمأنينة القلوب.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
