أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاسْمَعُوا وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (١٠٨) يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ (١٠٩))
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) ليس ظاهر الآية يوجب إسقاط أمر المعروف والنهى عن المنكر ، لكن فيه لطيفة أي : عليكم أن تعرفوا أسرار نفوسكم الأمّارة التي لو تدعونها لتدّعي الربوبية ، كما كان يدعي فرعون بقوله : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) [النازعات : ٢٤] ، وإذا عرفتم مكائدها عرفتم سرّ قهر الأزل ، فإن قهري يعلمها مخائيل الضلال.
لذلك قال عليهالسلام : «من عرف نفسه فقد عرف ربه ، ومن عرفني فقد استقام في طاعتي ، وصار موضع نظري لا يعوجه كيد كافر ، ولا مكر ماكر ؛ لأنه محفوظ بي ، بل من ينظر إليه صار ضرّه نفعا ، وفساده صلاحا ببركته» (١).
قال سهل بن عبد الله : للنفس سرّ ، ما ظهر ذلك السر على أحد من خلقه إلا على فرعون ، فقال : (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى) [النازعات : ٢٤] ، ولها سبع حجب سماوية ، وسبع حجب أرضية ، وكلما يدفن العبد نفسه أرضا أرضا سما قلبه سماء سماء ، وإذا دفنت النفس تحت الثرى وصل القلب إلى العرش.
قال محمد بن على : عليّا لنفسك أن كفيت الناس شرّها ، فقد أدّيت أكثر حقها.
ودخل خادم الحسين بن منصور ـ رحمة الله عليه ـ الليلة التي وعد من الغد لقتله فقال له : أوصيني ، فقال : عليك نفسك ، إن لم تشغلها شغلتك.
وسئل أبو عثمان عن هذه الآية؟ فقال : عليك نفسك إن اشتغلت بإصلاح فسادها وستر عوراتها شغلك ذلك عن النظر إلى الخلق والاشتغال بهم.
قوله تعالى : (يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ) إن لله سبحانه أياما وساعات لظهور جبروته ، وكشف ملكوته ، وبروز أنوار عزّة قدمه ، وشروق بروق لمعات وحدانية أبديته ، وخصّ لها خطاب العظمة ، وسياسة السلطنة ، وأظهرها لقواطب أهل جلاله ، ورؤية عظائم قدرته ، وإجراء مشيئته ، وهناك تفوح مجامر عطر صفاته ، وتذيع نفحة مسك سبحات ذاته.
قال سيد أهل البيت صلىاللهعليهوسلم : «إنّ لربّكم في أيام دهركم لنفحات ، ألا فتعرضوا لها» (٢).
__________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١٠ / ٢٠٨) بأوله فقط.
(٢) رواه الطبراني في الكبير (١٩ / ٢٣٣) بنحوه ، وذكره الزرقاني في شرحه (١ / ٣١٦).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
