والسواقي ، وكيف خصّ بعضا بالرحيق المختوم بقوله : (يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ) [المطففين : ٢٥ ، ٢٦] ، وذلك رحمة منه على الجمهور ، ولتفاوت فوائد استنباط علوم الغيبية من مراد الله ، قال عليهالسلام : «اختلاف العلماء رحمة» (١) ، ولاختيارهم في طريقهم بحقائق العبودية وعرفان الربوبية ، وهذا قوله تعالى : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) يعني شيوخا وأكابر بغير المريدين والسالكين ، (وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ) من المقامات الشريفة والأحوال السنية ، كيف تخرجون من دعواكم بحقيقة عبوديته؟ وتخرجون جواهر العلوم من كتابي وحكمتي.
ثم خاطبهم جميعا بقوله تعالى : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) عرّفهم مكان تقصيرهم ، أي : ما أدركتم مني في جنب ما عندي لكم كقطرة في بحر ، سارعوا إلى خيرات مشاهدتي ، وجميل عطاياتي.
ثم أفردهم ممّا وجدوا إلى عين جلاله بقوله تعالى : (إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً) أي : إليه مرجع افتقاركم من مقاماتكم إليه ، لزيادة القربة والمعرفة ، وهناك يظهر تفاضل درجاتكم ، وما غاب عنكم من حقائق أسراري ، ونوادر لطائفي ، وهذا معنى قوله تعالى : (فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ).
قال بعضهم في قول : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً) كلّ قد فتح له طريق إلى الله ، فمن استقام على الطريقة وصل إلى الله ، ومن زاغ وقع في سبيل الشيطان ، وضلّ عن سواء السبيل.
وقال أبو يزيد البسطامي : الطريق إلى الله بعدد الخلق ، ولكن السعيد من هدي إلى طريق من تلك الطرق.
قال الأستاذ في قوله : (وَلَوْ شاءَ اللهُ) أي : ولو شاء الله لسوّى مراتبكم ، ولكن غاير بينكم ابتلاء ، وفضّل بعضكم على بعض امتحانا.
وقال في قوله : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) : مسارعة كل واحد على ما يليق بوقته ؛ فالعابدون تقدمهم من حيث الأوراد ، والعارفون بهممهم من حيث المواجيد.
ويقال : استباق الزاهدين برفع الدنيا ، واستباق العابدين بقطع الهوى ، واستباق العارفين بنفي المنى ، واستباق الموحدين بترك الورى ، ولسان الدنيا والعقبة.
__________________
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١٠ / ٣٦).
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
