بلسان نبيه عليهالسلام بقوله تعالى : (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) ، أنبأنا الله سبحانه أن من بلغ نبوة سبل الأزل بنعت المعرفة والمحبة خرج من محل الامتحان حيث الأشباح.
قوله تعالى : (بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ) أي : أنتم أيها المدّعون الكاذبون ليس كما تزعمون ما بلغتم تلك المنازل ، بل بقيتم في مقام البشرية والنفوسية ، وهذا مقام من تقدّس ، وتقدّس الله ممّا سوى الله.
قوله تعالى : (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) أي : يوصل إلى تلك المواقف المقدسة من أهل الولاية من أمة محمد صلىاللهعليهوسلم من يشاء ، ولا يبالي بتقصيره ، ولا يشم رائحتها من يشاء من الأعداء ، لا يبالي بطاعته ، فإن طاعته على غير موافقة السنة.
قيل : يغفر لمن يشاء فضلا ، ويعذّب من يشاء عدلا.
(وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ (٢٠) يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ (٢١) قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ (٢٢) قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٣) قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ (٢٤))
قوله تعالى : (وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (١) أي : ملوكا بالولاية والكرامات ، ومعرفة الصفات ، والتنور بأنوار كشوف الذات.
وأيضا : جعلكم ملوكا بسلطنة الوجد ، قوة الحال ، وعزّة علم المعرفة.
وأيضا : أي : جعلكم ربّانيين مالكين أنفسكم بمنعها عن غير طاعتي.
وأيضا : أي : ملتبسين بأنوار أنائيتي.
وأيضا : معافين من ضرر الامتحان ، محررين من رقّ الحدثان.
__________________
(١) قال ابن عجيبة : جعل منكم ملوكا ، وقد تكاثر فيهم الملوك تكاثر الأنبياء ، فكان كل نبي معه ملك ينفذ أحكامه ، فكانت دار النبوة ودار المملكة معلومة ، يخلف بعضهم بعضا في النبوة والملك ، استمر ذلك لهم ، حتى قتلوا يحيى ، وهموا بقتل عيسى ، فنزع الله منهم الملك ، وأنزل عليهم الذل والهوان ، وقيل : لمّا كانوا مملوكين في أيدي القبط ، فأنقذهم الله ، وجعلهم مالكين لأنفسهم ، سماهم ملوكا [البحر المديد (٢ / ٤٩)].
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
