الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦) وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧))
قوله تعالى : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الإيمان هاهنا المعرفة ، أي : من وقع في بحر النكرة بعد المعرفة ولم يخرج منها إلى ساحل التوحيد الذي هو مفتاح كنوز الذات والصفات وهو محجوب عن الله بالله ، ولم تنعقد له عقود المحبة والمعرفة ، وما وجد من الطريق ذهب عنه بقوله : (فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ).
وأدقّ من هذا أن من عرف الله ووصل إليه بمعرفته وسكر بأنوار توحيده ، وادّعى في شكره الأنائية التي هي صفة المعدم ، فهو محجوب بالوجد من الموجود ؛ لأنه كفر الربوبية بأنائيته التي صدرت إليه من رؤية الربوبية ، هذا معنى قوله : (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ) ، وكل عمل من أعمال المعرفة له باطل لخروجه من العبودية إلى الربوبية ، فإذا رجع إلى العبودية ، وعرف إفراد القدم عن الحدوث يستأنف العمل ؛ لأنه ما مضى منه قد حبط بدعواه.
وأيضا : من ظنّ أن أعماله في الإيمان الذي هو موهبة الله الخاصة بلا علّة أداء حقوقه فقد كفر بالإيمان ، وحبط عمله ؛ لأن الإيمان كشوف ذاته وصفاته ، وأعمال العبد معلولة محدثة ، وكيف يوازي صفة القدم بعلّة الحدث.
قيل : من لم يشكر الله على ما وهب له من المعرفة واليقين ، فقد كفر بمعالي درجة الإيمان ، وفيه إحباط ما سواه من الاجتهادات والرياضات.
وقيل : من لم ير سوابق المتن في خصائص الإيمان ، فقد عمي عن محل الشكر.
قوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) بدأ بغسل الوجه ؛ لأنه منبت أنوار تجلّي الحق التي برزت من الوحدانية للأرواح ، فعكست لطائفها على الوجوه.
وأيضا : خصّ الوجه بالغسل ابتداء ؛ لأنه تعالى خلقه بنفسه ، ونفسه بنقش خاتم ملك الصفات ، وسبب حكمة غسله بالماء أنه مغير بغبار الشهوات ، منعوت بنعت الحدث ، وخاصية جوهر الماء أنه تعالى خلقه من جوهر أول الفطرة ؛ حيث تجلّى له من نور قدسه وسنا عظمته ، فإذا وصل إلى الوجه صار طهورا من دنس توجهه إلى غير القدم ببركة نوره وقدسه ،
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
