ما يليق بزيادة هيجان القلوب ، وزيادة شوق الأرواح ، فإذا باشروا طيبات الدنيا على حدّ ترويح الخواطر ، وتسكينها من الحرق والهيجان ، فهي مباح لهم ما داموا في سير المعارف ، فإذا بلغوا منتهى المقامات ، ولم تجاوز النفوس من تلك المباحات إلى استدامة الحظوظ فهي غير متجانفة إلى الفترة ، فإن الله سبحانه يتجاوز عن مؤاخذتها بالحجاب ، ويعينها في طلب المآب ، فإنه غفور لخطرات أوليائه ، رحيم بنعت الوصلة باصطفائه.
قال الأستاذ : يحتمل أن معناه من نزل عن مطالبات الحقائق إلى رخص العلم لضعف وجده في الحال فرعا ، يجري معه مساهلة إذا لم يفسخ عقد الإرادة.
ونعم ما قال الأستاذ في وصف السالكين في باب الرخص ، فإن الله سبحانه صدق ما ذكرنا في الآية بثانيها من الآي بقوله لنبيه : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ) ، وفي حقيقة التفسير التي أغرب مما مضى ذكره أن الطيبات في الدنيا والآخرة للمحبين مشاهدة الله سبحانه وما سواها ، فهو محرم عليهم من الدنيا والآخرة ؛ لأنهم يسألون عن الحلال ، والحلال مشاهدة جماله وما سواه ، فهو غير حلال في الحقيقة.
وتصديق ذلك قوله ـ صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ : «الدنيا محرّمة على أهل الآخرة ، والآخرة محرّمة على أهل الله» (١).
سئل أبو الحسين النوري عن القوت؟ فقال : القوت هو الله.
قال أبو علي الروذباري : أطيب أرزاق العارفين المقوتات.
وقال يوسف بن الحسين : الطيب من الرزق ما يبدو لك من غير تكلف ، ولا إشراف نفس ، ولي مسألة غير مائة كرت وذلك : أن أصل الطيبات الحلالات ما وقع للعارف في مقام التوكل من الغيب بنعت الرضا.
وأيضا : الطيبات السماع ورؤية المسحسنات التي تطيب قلوب المحبين بسنائها حتى تفرّغها إلى طلب معادن الحسن في الأزل.
(الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى
__________________
(١) لم أقف عليه.
![تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن [ ج ١ ] تفسير عرائس البيان في حقائق القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3943_tafsir-araes-albayan-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
