المنبئة لها وعليها ، كما قدم بين يدي قصة المسيح وخلقه من غير أب ، قصة زكريا ، وخلق الولد له ، مع كونه كبيرا ، لا يولد لمثله. وكما قدم بين يدي نسخ القبلة ، قصة البيت وبنائه وتعظيمه والتنويه به ، وذكر بانيه ، وتعظيمه ومدحه. ووطأ قبل ذلك كله بذكر النسخ وحكمته المقتضية له ، وقدرته الشاملة له. وهكذا ما قدم بين يدي مبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم من قصة الفيل ، وبشارات الكهان به ، وغير ذلك. وكذلك الرؤيا الصالحة لرسول الله صلىاللهعليهوسلم كانت مقدمة بين يدي الوحي في اليقظة. وكذلك الهجرة ، كانت مقدمة بين يدي الأمر بالجهاد. ومن تأمّل أسرار الشرع والقدر ، رأى من ذلك ما تبهر حكمته أولي الألباب. انتهى. وقوله تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى :
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) (٢)
(لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ) قال أبو السعود : غاية للفتح ، من حيث إنه مترتب على سعيه عليه الصلاة والسلام في إعلاء كلمة الله تعالى ، بمكابدة مشاقّ الحروف ، واقتحام موارد الخطوب. (ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) أي جميع ما فرط منك ، من ترك الأولى. وتسميته ذنبا ، بالنظر إلى منصبه الجليل.
قال ابن كثير : هذا من خصائصه صلىاللهعليهوسلم التي لا يشاركه فيها غيره. وليس في حديث صحيح في ثواب الأعمال كغيره ، غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله صلىاللهعليهوسلم في جميع أموره على الطاعة والبرّ والاستقامة التي لم ينلها بشر سواه ، لا من الأولين ، ولا من الآخرين. وهو صلىاللهعليهوسلم أكمل البشر على الإطلاق ، وسيدهم في الدنيا والآخرة. ولما كان أطوع خلق الله تعالى لله ، وأشدهم تعظيما لأوامره ونواهيه ، قال حين بركت به الناقة : حبسها حابس الفيل. ثم قال صلىاللهعليهوسلم : «والذي نفسي بيده! لا يسألوني اليوم شيئا يعظمون به حرمات الله إلا أجبتهم إليها ، فلما أطاع الله في ذلك ، وأجاب إلى الصلح ، قال الله تعالى : (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ...) الآيات».
وقوله تعالى : (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) أي بإظهاره إياك على عدوّك ، ورفعه ذكرك. (وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) أي ويرشدك طريقا من الدين لا عوج فيه. قال أبو السعود : أصل الاستقامة ، وإن كانت حاصلة قبل الفتح ، لكن حصل بعد ذلك من اتضاح سبيل الحق ، واستقامة مناهجه ، ما لم يكن حاصلا قبل.
![تفسير القاسمي [ ج ٨ ] تفسير القاسمي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3928_tafsir-alqasimi-08%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
