للدين. وفى كل الجيوش يدأب المنافقون على التسلل لواذا من كتائبهم ، ويخرجون على الجماعة ، وليس لأحد أن يأذن لأصحاب الأعذار إلا قائدهم. وقد كان ذلك فى جيش المسلمين كثيرا يوم الخندق وفى غزوة تبوك.
* * *
١٥٥٧ ـ أحكام التجسّس فى الإسلام
التجسس : هو التبحّث ، من جسّ ، وتجسّس ، واجتسّ الأخبار والأمور ، بمعنى بحث عنها وتفحّصها ؛ والجاسوس الذى يتجسّس الأخبار ثم يأتى بها ، والجمع جواسيس ؛ وأول جاسوس فى الإسلام كان حاطب بن أبى بلتعة ، من المؤمنين ؛ وأول جاسوسة هى سارة ، من موالى قريش وكانت من الكفار. وكان حاطب من أهل اليمن ، وله حلف بمكة فى بنى أسد بن عبد العزّى ، فقدمت من مكة سارة مولاة أبى عروة بن صيفى إلى المدينة ، ورسول الله صلىاللهعليهوسلم يتجهّز لفتح مكة ، فلما استجوبها : «أمهاجرة جئت يا سارة؟» قالت : لا ، قال : «أمسلمة جئت؟» قالت لا. قال : «فما جاء بك؟» قالت : كنتم الأهل والموالى والأصل والعشيرة وقد ذهب الموالى ـ تعنى قتلوا ببدر. وقد احتجت حاجة شديدة فقدمت عليكم لتعطونى وتكسونى. وكانت سارة مغنيّة ، وشكت كساد حالها ، فحثّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم المؤمنين ليعطوها ، وأتاها حاطب وأعطاها عشرة دنانير وبردا ، على أن تبلّغ إلى أهل مكة كتابا أعطاه لها ، وكتب فيه أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم يريدكم ، فخذوا حذركم ، وضمّن الكتاب أخبار تجهّز النبىّ صلىاللهعليهوسلم لمكة ، ووقت ذلك ، يعنى كان كتابه نموذجا لكتب الجواسيس ، وخرجت سارة بالكتاب ، وكان طبيعيا أن يشك فيها المسلمون ، فأرسل النبىّ صلىاللهعليهوسلم خلفها عليا والزبير وأبا مرثد الغنوى ، وكانوا فرسانا ، وأدركوا المرأة واستجوبوها وأمروها أن تخرج ما معها ، وحلفت أن ما معها شىء ، وفتشوا أمتعتها فلم يجدوا شيئا ، وكادوا يرجعون ، لو لا أن عليا استل سيفه وهددها أن يجرّدها ويضرب عنقها ، ورأت الجدّ فى وجهه ، فأخرجت كتاب حاطب من ذؤابتها ، أو حجزتها ـ أى معقد سروالها ، وعادوا بها إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وبدءوا استجوابها وحاطبا ، ونزلت الآية : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ) (١) (الممتحنة) ، وفيها النهى عن موالاة الأعداء ، ونظيرها قوله تعالى : (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) (٢٨) (آل عمران) ، وقوله : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
