وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) (النحل ١٢٥) ، فالتى هى أحسن هى الموعظة الحسنة ، واستثنى من أهل الكتاب «الذين ظلموا» وهم أهل الحرب. ومن الخطأ أن يقال أن آية «الجدل بالتى هى أحسن» نسختها «آية القتال» المسماة «آية السيف» أيضا التى تقول : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ) (التوبة ٢٩) فالمقصود مقاتلة «هؤلاء الذين ظلموا» ـ يعنى أهل الحرب ـ وليس كل أهل الكتاب. ومن علامات المجادل فى الباطل أن يكون جداله : (بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) (الحج ٣) مثل النضر بن الحارث ، وأبى جهل بن هشام ، وكلاهما كان بلا علم يصدر عنه ، وما كان له نبىّ قد تلقّى عليه ، ولا كان يرجع فيما يقول إلى كتاب ينطق بالحق ، وكان ينقل عن شياطين الإنس يملون عليه ما يقول ، وشياطين الجن يوسوسون فى قلبه الجدال بالباطل. والنضر جادل فى الله وقدرته على البعث ، وأبو جهل جادل فى النبوة ، وعلى منوالهم جادل آخرون ، كقوله : (الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ) (غافر ٥٦) والسلطان هو الحجة والبرهان. والدافع إلى الجدال بلا حجة ولا برهان هو دافع نفسى فى كل الأحوال وليس دافعا موضوعيا ، ويصدر عن الكبر وشعور متوهم بالعظمة ، فقد كانوا يزعمون أنهم محافظون وأصوليون إذا لم يتمسكوا بتراث الآباء فآثروا الكفر على الإيمان. والكبر هو الذى يجعل الإنسان أكثر شىء جدلا ، وهو الذى يصرف المتورطين فى الجدال عن الحق ، كقوله تعالى : (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ) (غافر ٦٩) أى كيف يصرف الكبر عقولهم وقلوبهم إلى الجدل فيضلّون ولا يهتدون.
* * *
١٢٢٢ ـ الحرية من مصطلحات القرآن
قالت امرأة عمران : (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) (آل عمران ٣٥) ، ومحرّرا من الحرية ضد العبودية ، ومن هذا تحرير الكتاب ، وهو تخليصه من الاضطراب والفساد. وقيل : إن المحرّر الخالص لله ، لا يشوبه شىء من أمر الدنيا. وفى اللغة يقال لكل ما خلص : حرّ ، ومحرّر بمعناه ، ويقال طين حرّ لا رمل فيه ، وفى القصاص فإن الآية : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) (البقرة ١٧٨) فيها إجمال يبيّنه قوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (المائدة ٤٥) ، وأوضحته السنّة لما قضى الرسول صلىاللهعليهوسلم بقتل اليهودى بالمرأة ، فلا أحرار ولا عبيد فى القصاص ، ولا ذكور ولا إناث ، والكل سواء ، ومن قتل نفسا عامدا يقتل بها ، فالحرّ يقتل بالعبد ، والمسلم يقتل بالذمّى ، ويتساوى الذمى والمسلم فى حرمة الدم ، وكلاهما محقون الدم على التأبيد ، ويعاقب المسلم بسرقة مال الذمى ، ويتساوى مال المسلم ومال الذمّى كمساواتهما فى الدم ، والمال يحرم بحرمة مالكه ، والنفس تكافئ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
