غير أن المتوكل لا يلتفت بكل قلبه إلى الأسباب ، وينشغل بها عن مسبب الأسباب ، فعندئذ يزول وينسلخ عنه اسم المتوكل. والأسباب لا تجلب نفعا ولا تدفع ضرا ، بل السبب والمسبب فعل الله ، والكل منه وبمشيئته تعالى. ولم يخرج رسول الله صلىاللهعليهوسلم من التوكل بإخفائه الخروج من مكة واستئجاره الدليل ، واستكتامه الأمر ، واستتاره فى الغار ، فليس من ضرورة التوكل قطع الأسباب ، ولو أن إنسانا جاع فلم يسأل حتى مات دخل النار. والمتوكلون على حالين : الأول : حال المتمكّن فى التوكّل فلا يلتفت إلى شىء من تلك الأسباب بقلبه ؛ والثانى : حال غير المتمكّن ، وهو الذى يقع له الالتفات إلى تلك الأسباب أحيانا.
* * *
١٢٢٠ ـ التيمم
التيمم مما خصّت به أمة الإسلام ، توسعة عليها ، وفى الحديث : فضّلنا على الناس بثلاث : جعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا ...» الحديث. والتيمم فى اللغة : هو القصد ، تقول تيممت الشيء : قصدته ؛ وتيممت الصعيد : تعمدته ؛ وتيممته برمحى وسهمى : قصدته. وقوله تعالى : (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) (النساء ٤٣) أى اقصدوا ، ثم كثر استعمالهم لهذا المصطلح القرآنى البحت حتى أجيز التيمم : يعنى مسح الوجه واليدين بالتراب ، وهذا هو التيمم الشرعى.
وآية التيمم هى الآية : (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً) (النساء ٤٣) ، نزلت فى عائشة لما أضاعت قلادتها وكانت لأختها أسماء بنت أبى بكر ، فبعث النبىّ صلىاللهعليهوسلم رجالا يبحثون عنها ، فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ، ولم يجدوا ماء ، فصلّوا وهم على غير وضوء ، وأنزل الله آية التيمم. وقيل الآية نزلت فى عبد الرحمن بن عوف أصابته جنابة وهو جريح فرخّص له أن يتيمم ، ثم صارت الآية عامة فى جميع الناس. وقيل : إن المكان الذى كان فيه النبىّ صلىاللهعليهوسلم وقت أن نزلت آية التيمم يقال له الصلصل ، وقيل إن عائشة فقدت قلادتها أو عقدها فى ليلة الأبواء وهى قرية بين المدينة والجحفة. وقد روى أن أصحاب النبىّ صلىاللهعليهوسلم أصابتهم جراحة نفشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة ، فشكوا ذلك لرسول الله صلىاللهعليهوسلم ، مع عدم وجود الماء ، فنزلت الآية. وقيل : إن الجراحة كانت بسبب غزوتهم المريسيع التى قفلوا منها ، وكانت الغزوة فى شعبان فى السنة السادسة من الهجرة. وقيل إن آية المائدة هى آية التيمم ، والصحيح أنها آية الوضوء وفيها عن
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
