أَلِيمٌ) (١٠٤) (البقرة) : زعموا أنها منسوخة ولم يوردوا النصّ الذى نسخها ، وقالوا إنها ناسخة لما كان مباحا قوله ، والصحيح أنها لا منسوخة ولا ناسخة.
والآية : (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) (البقرة ١٠٩) : قيل : نسختها الآية : (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) (التوبة ٢٩) ؛ وقيل : الناسخ له الآية : (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ) (التوبة ٥) ، والصحيح أن الآية محكمة وغير منسوخة ، وكان الرسول يدعو فى مجالس اليهود والمشركين ، وأغلظ له عبد الله بن أبىّ ، فشكا الرسول صلىاللهعليهوسلم ذلك إلى عبد الله بن عبادة ، فقال له عبد الله : بأبى أنت وأمى ، اعف عنه واصفح ، فو الذى أنزل عليك الكتاب بالحق ، لقد جاءك بالحق الذى أنزل عليك! فعفا عنه رسول الله صلىاللهعليهوسلم ، ونزلت الآية ، فلا تعارض إذن ولا نسخ.
والآية : (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) (البقرة ١١٥) : قال بشأنها ابن عباس : إن الآية منسوخة بقوله : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (البقرة ١٤٤) ، فكأنه كان يجوز فى الابتداء أن يصلى المرء كيفما شاء ثم نسخ ذلك. والصحيح أن الآية لم تنسخ ، وأنها متصلة بالآية قبلها : (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) (البقرة ١١٤) ، والمعنى أن بلاد الله تسع المؤمنين ، فلا يمنعهم تخريب من خرّب مساجد الله أن يولّوا وجوههم نحو قبلة الله أينما كانوا من أرضه ، فإن له المشرق والمغرب والجهات كلها ، فإذا منعوا من أن يصلّوا فى المسجد الحرام أو المسجد الأقصى فإن الأرض لهم مسجد حيثما كانوا من شرق أو غرب ، وذلك تسلية بحلّ الذكر والصلاة فى جميع الأرض لا فى المساجد خاصة ، وفى الحديث الصحيح : «جعلت لى الأرض مسجدا وطهورا».
والآية : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) (١٥٨) : قالوا : هى منسوخة بالآية : (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (١٣) (البقرة) ، ومنشأ دعوى النسخ هو : (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) ، فسّرها عروة لخالته عائشة : فما أرى على أحد جناحا ألا يطوّف بهما ، والصحيح ما ذكرته عائشة : بئس ما قلت يا ابن أختى! إن هذه لو كانت كما أوّلتها عليه كانت : لا جناح عليه ألا يطوّف بهما. وقالت : وقد سنّ رسول الله صلىاللهعليهوسلم الطواف بينهما ، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما. وأيضا فإن قوله تعالى : (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللهِ) خبر مؤكد أريد به الأمر المؤكد. وقوله : (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) إشارة إلى أن السعى واجب عن تطوع بالزيادة عليه ، فإن الله يشكر ذلك له. ولم يصحّ عن الرسول صلىاللهعليهوسلم أن الآية منسوخة ، ولا مجال لادّعاء التعارض بين الآيتين ، ولا معنى لدعوى النسخ إذن.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
