واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (المائدة ٤٨) ، والآية إخبار عن الأمم المختلفة الأديان ، باعتبار ما أنزله الله عليها من الشرائع المختلفة فى الأحكام ، المتفقة فى التوحيد. والنسخ متعلّقه الأحكام ، والأديان لا تلغى بعضها البعض لأن مدارها جميعا التوحيد ، وإنما التباين بينها فى الأحكام بحسب الأمصار والأزمان ، والمسلمون على تفسير آية النسخ : بأن الله كان قد أحلّ زمن آدم أن يتزوّج الأخ أخته ، ثم نسخ ذلك لمن جاء بعد آدم ؛ وأحلّ لنوح أن يطعم لحم أى حيوان ، ثم نسخ ـ لمن جاء بعده ـ الحلّ ببعضها وحرّمه. وكان نكاح الأختين مباحا لإسرائيل وبنيه ، فلما جاء موسى حرّمته شريعة التوراة. فالنسخ بهذا المعنى موجود كذلك فى اليهودية ، إلا أن إنكار اليهود للنسخ كان على الخصوص زمن النبىّ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو الزمن الذى تفجّرت فيه مسألة النسخ هذه وتصدّى المسلمون فيه للردّ عليهم بين مؤيد للنسخ ومنكر. وكان إنكار اليهود على تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة ، فذلك ما غاظهم فى الإسلام ، وأضجّهم منه ، فأخذوا يلغون فى النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، ويهزءون بالإسلام ، فأنزل الله تعالى : (سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ) (البقرة ١٤٢) ، والسفهاء هم اليهود ، قالوا : ما لهؤلاء المسلمين يستقبلون تارة بيت المقدس ، وتارة يستقبلون الكعبة؟ فكان جواب الله تعالى عليهم : (قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) (البقرة ١٤٢) يتضمن نفس الردّ السالف على النسخ : أنه تعالى المتصرّف وله الأمر كله ، ولليهود قبلتهم التى يرضونها ، وللمسلمين قبلتهم ولّاها الله لهم ، وللنصارى قبلتهم ، ولكل ملة شرعة ومنهاج ، أى سنن وطرائق ، والله تعالى جعل الناس شعوبا وقبائل ، ولو يشاء لجعلهم أمة واحدة ، وبعث فى كل أمة رسولا ، وجعل لكل منها منسكا هم ناسكوه ، وهذا هو الإقرار بالتباين فى الإسلام ، واحترام الغير ، وكل ذلك يقوم عليه الإسلام ولا شىء منه فى اليهودية ولا النصرانية. وينبغى لأى حوار مع الآخر ، أن يكون ذلك منطلقه ، وأساس البلاغ له عن الإسلام ، والدعوة إليه أن يقرّ بالحق ، وأن يقول الصدق ، وأن يقدر الملل أقدارها.
* * *
١٠٢٧ ـ النسخ والبداء فى القرآن
قال اليهود بالبداء ، وقال به الرافضة ، ولا بداء فى القرآن وإنما هناك نسخ ، والنسخ لا يعنى المحو ، ولكنه يعنى التبديل ، فالله تعالى يقول : (ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها) (البقرة ١٠٦) ، وقال : (وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ) (النحل ١٠١) ، فأما البداء فيعنى أن الله رأى شيئا ثم بدا له فغيّر ما رأى ، فكان النسخ بسبب البداء ، فلو لا أنه تعالى رأى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
