أو أن الآية الأولى قد تكون خاصة بالتوجه فى الدعاء ، والثانية قد تختص بالتوجه فى الصلاة ، وعلى ذلك فلا تعارض بين الآيتين ولا نسخ.
ومن ذلك أيضا الآية : (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) (١٨٠) (البقرة) ، فقد قيل تنسخها آيات المواريث والحديث «لا وصية لوارث» ، والنسخ غير وارد لأن الأقربين الموصى بهم هم الذين حرموا من الإرث ، أو أن هذه الآية توصى بزيادة إرث من يحتاج من الورثة ، كأن يكون زمنا ، أو معوّقا ، أو مريضا ، أو صغيرا لم يبلغ الرشد. ثم إن الحديث من الآحاد ، وحكم أحاديث الآحاد أنها ظنية ، والظنى لا يقوى على نسخ القطعى وهو الآية.
ومن ذلك الآية : (وَإِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (٨) (النساء) ، قيل إن آيات المواريث تنسخها ، مع أن الآية لا دخل لها بالمواريث وإنما تحضّ على إعطاء الحاضرين لقسمة التركة ، من الأقارب واليتامى والمساكين ، شيئا منها ، وهو تشريع له صورة الدوام.
ومن ذلك الآيتان : (وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥) وَالَّذانِ يَأْتِيانِها مِنْكُمْ فَآذُوهُما فَإِنْ تابا وَأَصْلَحا فَأَعْرِضُوا عَنْهُما) (النساء) ، قيل إنهما منسوختان بالآية : (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ) (النور) ، مع أن الآيتين الأولين تخص الأولى النساء اللوطيات اللاتى يمارس الفاحشة مع بعضهن البعض ، وتخصّ الثانية الرجال الممارسون للواط ، ولا دخل للآيتين بالزنا ، وعلى ذلك فلا نسخ بين الآيتين وبين الآية الثالثة.
وإذن تسقط دعاوى المدّعين بالنسخ بمعنى الرفع ، ويتأكد أن النسخ كما جاء فى القرآن أنه استبدال حكم فى زمن وموضع معينين بحكم آخر مع استمرار الحكم الأول فى ملابساته التى صاحبت صدوره ، ونفاذ الحكم الثانى فى ملابساته المستلزمة له كذلك. والذين اختلفوا فيه من المسلمين إنما كان إصرارهم عليه لقولهم أن من النسخ أن تنسخ الشريعة الحالية شريعة قبلها ، بمعنى أن المسيحية قد نسخت اليهودية ، والإسلام قد نسخ المسيحية واليهودية معا ، ولكن اليهود أصروا على القول بإنكار النسخ ، لأنهم بهذا الإنكار يرفضون الموافقة على أن المسيحية أو الإسلام قد نسخ ديانتهم. وإزاء ذلك أصرّ المسلمون على القول بالنسخ معاندة لليهود ، مع أن الإسلام لم ينسخ اليهودية فما تزال موجودة ، ولم ينسخ المسيحية ، والله يقول : (لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
