وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (١٠٣) (التوبة) ، قيل : هى صدقة الفرض ، وقيل : صدقة التطوع ، لأن النبىّ صلىاللهعليهوسلم أخذ منهم ثلث أموالهم وليست هذه هى الزكاة المفروضة ، وفى التطوع للمرء أن يتصدّق بثلث ماله لو أراد. والمال الذى يستوجب الصّدقة هو كل ما تموّل وتملّك ، لقوله فى الحديث : «يقول ابن آدم مالى مالى ، وإنما له من ماله ما أكل فأفنى ، أو لبس فأبلى ، أو تصدّق فأمضى» أخرجه مسلم. ولا تبيّن الآية مقدار المأخوذ ، ولا المأخوذ منه ، وبيان ذلك فى السنّة والإجماع. وأما الزكاة فتؤخذ من جميع الأموال ، وأوجبها النبىّ صلىاللهعليهوسلم فى المواشى والحبوب والعين وهو ما كان معروفا فى زمانه ، وهى الآن تجب فى كل شىء مما يكون مالا أو يقيّم بالمال. والصدقة مأخوذة من الصدق ، مثلما الزكاة مأخوذة من التزكية أى التطهّر ، ومعنى ذلك أن الصدقة دليل صدق إيمان المتصدّق ، وأن الزكاة هى المطهّرة لنفسه وماله. وكل إمام ، أو حاكم ، وجامع لزكاة ، أو صدقات ، يمكنه أن يدعو للمتصدّق بالبركة ، لقوله : «وصلّ عليهم» ، والصلاة على المتصدّق أصل فى أخذ الصدقة أو الزكاة ، وكان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : «اللهم صلّ عليهم» ، وأتاه ابن أبى أوفى بصدقته فقال : «اللهم صلّ على آل ابن أوفى» أخرجه مسلم. والصلاة على المتصدّق تسكّن قلبه. والصلاة هى الرحمة والترحّم ، وهى فى كلام العرب الدعاء. ولما نزلت آية الصدقة لم يكن المسلمون يجدون ما يتصدّقون به ، فكانوا يمتهنون مهنا يتكسّبون منها ليتصدّقوا ، وكانوا ينطلقون إلى الأسواق يحاملون ـ أى يتكلفون الحمل بالأجرة ـ فكان الفتى يأتى إلى الرسول صلىاللهعليهوسلم ويتصدّق بالكثير فيقولون فيه : مرائى ، ويأتى الفقير فيتصدّق بصاع فيقولون : إن الله لغنىّ عن الصاع هذا ، فنزلت : (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) (٧٩) (التوبة).
* * *
٢٢١٥ ـ الصدقات على وفق الشرع تزكو
الصدقات لله طلبا لمرضاته : (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌ) (٢٦٥) (البقرة) ، وقوله : «وتثبيتا» أن المتصدّقين يتثبّتون أين يضعون صدقاتهم؟ فكانوا إذا همّوا بالصدقات تثبّتوا ، فإن أيقنوا أمضوها ، وإن خالطهم شك أمسكوا. والآية تشبّه نمو نفقات المخلص الذى يربّى الله له صدقاته ، بنمو نبات الجنة بالربوة ، بخلاف الصفوان الذى انكشف عنه التراب فبقى صلدا فشبّه به إنفاق المرائى. والصدقة فيما يستطاع.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
