أو للمحاجاة ، وهى الحوار أساسه المواجهة والمساءلة والمجاوبة والمناقشة والبحث لمعرفة الحق وإحقاقه. وقد أخطأ المفسّرون إذ جعلوا معنى الحواريين أنهم كانوا يشتغلون بالحوارة أى القصارة ، أى تبييض الثياب ، وقال الصوفية هم الحواريون لأنهم بيّضوا قلوبهم ونفوسهم وطهّروهما عن كل دنس! والصواب أنهم أصحاب الحوار مع المسيح ، وهو مفهوم القرآن عنهم ، وهنتنجتون الذى قال بصراع الحضارات أوحت إليه الفكرة قراءاته فى التوراة ، فالصراع بين الحضارات وبين الأمم والطبقات هو مذهب التوراة ، ولذلك قال بالصراع اثنان من أشهر اليهود : «فرويد ، وماركس» ، والأول فى مجالى النفس والاجتماع ، والثانى فى مجالى الاقتصاد والحضارة ؛ وبتأثير تعاليم التوراة قال «دارون» المسيحى بالصراع للبقاء متابعا «بولس الرسول» ـ وكان يهوديا قبل أن يتنصّر ؛ واستمد فوكوياما نظريته فى نهاية التاريخ من نبوءة ملاخى فى العهد القديم ، ومن رؤيا يوحنا فى العهد الجديد ، وقوامها الصراع الحضارى ، فالثقافة اليهودية النصرانية الأوروبية لحمتها وسداها إذن القول بالصراع ؛ وأمّا الثقافة الإسلامية القرآنية ، وثقافة أهل السنة ، فقوامها الحوار بين الحضارات والتعاون بين الشعوب والأفراد ، وفى القرآن : (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ) (١٣) (الحجرات) ، والتعارف أساسه التعاون الحضارى والاجتماعى والطبقى ، والأفضل هو الأتقى ، والمتّقون وصفهم فقال : (فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ) (٦٦) (يس) ، وقال : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ) (١٤٨) (البقرة) ؛ وهذه إذن نظرية الأجناس فى القرآن : أنه تعالى خلق الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ، للتعارف والتعاون والتلاقح الحضارى والتثاقف ، وذلك هو طريق إعمار الأرض ، بينما هذه النظرية فى التوراة أساسها الاستكبار العنصرى ، والاستقواء والغزو ، وحرق الأرض ، وتدمير الأخضر ، وقتل الحياة. وفى الإنجيل أن المسيح استعلى على الكنعانية ولم يشف ولدها بدعوى أنها كنعانية من قوم كالخنازير ، ولو لا حجاج بطرس لمّا عاب عليه انصرافه عنها ، وذكّره بأن إيمانها يشفع لها ، لما شفى لها ولدها ، وكانت حجة المسيح أنه لم يبعث إلا لخراف إسرائيل الضالة ، ففرّق بين الأمم ، وفاضل بينها على أساس أجناسى وليس بمعيار التقوى ، أى البرّ كما جاء فى القرآن. وفى التوراة أن سام وذريته هم الأرفع شأنا ، واليهود على رأسهم ، وأن الشعوب دون سلالة سام هى الأدنى منزلة ، وتخدم اليهود ، فهذا هو قدرها وقدرهم ، فالثقافة العبرانية الأوروبية قوامها الحتمية التاريخية والفيزيائية ، والثقافة العربية الإسلامية قوامها الفكر المنفتح ، والمجتمع غير المغلق ، والاختيار الحر ، والمسئولية ، والتطور إلى الأحسن ، والقول بالعالمية ؛ والربّ فى اليهودية هو ربّ بنى إسرائيل ، وفى النصرانية هو المسيح ، وأتباعه هم المسيحيون ، كما أن اليهود أولاد يهوذا ، والإسرائيليين بنو إسرائيل ؛ وفى القرآن الربّ هو ربّ العالمين ، أى ربّ جميع الناس ، والمسلمون هم الذين أسلموا أمرهم له. فيا أيها المسلمون ، أرأيتم ما أنتم فيه من خير ، وما أوتيتم من رحمة ، وما أصدقتم من بيّنة؟! ولله الحمد والمنّة!
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
