أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) (١٦) (الإسراء) ، يعنى هلاك الأمم إنما بمترفيها ، وهم الفسّاق فى كل شعب ، والظالمون به ، والسماح لهؤلاء بأن يتلقفوا سدّة الحكم ، وأن تكون بأيديهم مقاليد الدولة ، هو إعمال لدمار الدولة بإرادة الشعب ، لأنه الذى انتخبهم ، أو لأنه لم يعترض عليهم ، فسبّب الأسباب وساقها إلى غاياتها ليحق على الشعب الوعيد. والمترفون يشكّلون الطبقة الغنية فى كل شعب ، وهم شراره ، وتأميرهم على الشعب هو أن يصبحوا فيه أمراء ، أى حاكمين مسلّطين ، وفى قراءة أخرى للآية : «أمّرنا مترفيها» يعنى أكثرناهم فى الدولة فصارت لهم السلطة ، وفى قراءة أخرى للآية : «أمرنا مترفيها» يعنى مكّناهم أن يملكوا ثروة البلد ويقبضوا على زمام الحكم فيه ، وما فاز شعب كان الحكم فيه للمترفين ، وهم المسرفون ، جباة المال ، وفارضو الضرائب ، وأصحاب القوانين الجائرة ، وفى معنى ذلك قول القائل فى الآية : إذا أراد الله أن يهلك أمة أو دولة ، غضبا منه تعالى على أهلها ، مكّن لأكابر مجرميها فمكروا فيها ، فحقّ عليها الوعيد ، كقوله تعالى : (وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها) (الأنعام ١٢٣). وتدميرها هو استئصالها بالهلاك ، وفى رواية لزينب بنت جحش : أن الرسول صلىاللهعليهوسلم خرج يوما فزعا محمر الوجه ، يقول : «لا إله إلا الله ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب» ، قالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال : «نعم ، إذا كثر الخبث» ، والخبث هو فساد الحكم ، وظهور طبقة المستغلين دعاة الإلحاد والإباحية ، وبظهورهم تظهر المعاصى ، فإذا لم يرفضها الشعب ويغيّرها ، كانت مدعاة لهلاك الجميع ، الطالحين والصالحين على السواء.
والترف ـ يعنى الاشتغال بالمال واللذات ، يقول تعالى : (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ) (١١٦) (هود) ، فالترف يؤدى إلى ارتكاب المظالم ، وما ظلم الظالمون إلا لأنهم يريدون المال ليترفوا ، فلما آل المال إليهم ارتكبوا الجرائم فصاروا مجرمين.
والمترفون دائما وأبدا مع الباطل ضد الحق ، ومع الشرّ ضد الخير ، ومع الكفر ضد الدين ، ومع الشيطان ضد الله ، وحزبهم هو حزب الشيطان ، وهم طغمة من الطغاة ، وما كان نبىّ ولا مصلح ، ولا داعية حق أو خير أو إصلاح ، إلا خرج المترفون ضده ، وألغوا فيه ، يقول تعالى : (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) (٣٤) (المؤمنين) ، فانظر إلى منطقهم المغلوط ومذهبهم المادى الخائب ، وتأمل احتفالهم بالأكل والشرب كالبهائم ، فما أن يحلّ بهم عذاب الدنيا إذا هم
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ٢ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3911_mosoa-alquran-alazim-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
