ذلك لأنهم اعتبروه قد سرق منهم محبة أبيهم لهم ، واستحوذ على أبيهم دونهم ؛ وقيل كان يوسف إذا جلس على المائدة ليأكل مع إخوته لا يجد ما يشبعه ، لكثرتهم وقوتهم ، ولضعفه وصغر سنه ، فكان يحتال ليفوز لنفسه ببعض الطعام ، فكانوا يضبطونه ويعيّرونه به. ومن أجل ذلك قالوا : إن أخاه يقتدى به ويسلك على نهجه.
* * *
٧٩٧. الحب المتبادل بين يعقوب ويوسف
قصة يوسف من أحسن قصص القرآن كما قال تعالى : (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ) (يوسف ٣) ، والقصة فى جزء منها تحكى عن حبّ يعقوب لابنه يوسف ، وحبّ الابن لأبيه ، وفى الجزء الآخر تبرز القصة انتصار الفضيلة عند شاب مثل يوسف فى مقتبل عمره ، كان قد عزف عن الرذيلة ، واستمسك بالدين ، واعتصم بالإيمان. وفى القصة يتناجى الولد مع أبيه : (إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ) (يوسف ٤) ، فيقول الأب : (يا بُنَيَّ) ولا يمل الأب تعليم ابنه فى كل المواقف ، ويتعهده بالتربية ، فلمثل ذلك يكون الآباء ، يقول يعقوب ليوسف : (وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ) (يوسف ٦) ، يذكّره بأجداده ، وبالرسالة التى كلّفوا بها ويرثها عنهم ، والإيمان وما يعود عليه من الخير والنّعم والعلم. وقيل إن محبة يعقوب ليوسف لأنه كان ابن الزوجة الجميلة الأثيرة عند زوجها ، وقيل لأنه بكر أولاده منها ، وإنما السبب الحقيقى أن يوسف كان وريث بيت النبوّة ، وآل إليه أمر الدعوة ، وكان ما ينفك يدعو إلى الله ، فدعا إليه «العزيز وامرأته» ، ورئيس السجن ، وزميليه فيه ، ثم الفرعون وآله ، فلما جاء موسى من بعد ، ودعا فرعون ، كان من بين بلاطه رجل من آله يؤمن بالله قال : (وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً) (غافر ٣٤) ، يعنى أن دعوة يوسف كانت ما تزال آثارها باقية كل هذه السنوات ، فلذلك أحب يعقوب ابنه يوسف ، لأنه كان الحريص على الدعوة ، والحفيظ عليها ، والقائم بها ، وهذه الوشيجة الروحية بين يعقوب وابنه يوسف هى التى صرفت عن يوسف خواطر السوء والفحشاء فى «مشهد الغواية» ، واصطلح عليها القرآن باسم «برهان ربّه» ، أى البرهان على أن الله كان مع يوسف ، وأنه تعالى لا ينسى أولياءه ، فكذلك مكّن له فى الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ، وأصابته رحمة الله ، ولم يضع أجره وجعله من المحسنين ، ورفعه درجات ، وفوق كل ذى علم عليم ، ولمّا كاد يعقوب ييأس ، لم ينجه من اليأس غير إيمانه وصبره «الصّبر الجميل» ، وتأسّف يعقوب
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
