النفس تجاه شىء بعينه يكون المدار عليه فى الحلم. والرؤيا الصادقة إذا رآها غير المؤمن تكون على الندور والقلة ، وإنه لأمر ذو بال أن تأتى أحلام فرويد ـ وكان كافرا حتى بإله اليهود ـ خالية من أية رؤى ، وكذلك تلاميذه جميعهم. والرؤيا لكى تضاف إلى الله وتحسب كرؤيا نبوية لا بد أن تخلص من الأضغاث والأوهام ، والضّغث الشيء المتضاد ، والرؤيا العادية ثلاثة أصناف : فبعضها أهاويل نفسية عن رغبات مكبوتة ، وبعضها رغبات صريحة من النهار لم تتحقق فى اليقظة فكان النوم فرصة لها تتحقق فيه ، وبعضها أجزاء من النبوّة تتفاوت الرؤيا عن الرؤيا فيها ، ومن ولى إلى ولى. والرؤيا مصدر «رأى» فى المنام ، وأكثر ما تكون فى آخر الليل لقلة غلبة النوم فيه ، ولذلك لا يرى الرائى إلا ما يصح إدراكه أو تأويله ، كأن تكون صورة محسوسة ، وأمثلة موافقة لواقع النائم أو لواقع الوجود ، وتارة تكون لمعانى معقولة غير محسوسة ، وفى الحالتين تكون مبشّرة أو منذرة ، ومنها ما يظهر معناه أولا فأول ، ومنها ما لا يظهر إلا بعد التفكّر ، وقد رأى يوسف الكواكب والشمس والقمر تسجد له فأوّلها بإخوته وأبويه ، ورأى الفرعون البقر والسنابل ، فأوّلها يوسف بالسنين أى الجدب. ولا يعتدّ بأن يوسف كان صغير السن وقت تأويل هذه الرؤيا وغيرها ، فالرؤيا تكون من الصغير كما تكون من الكبير ، والإدراك فيها كالإدراك فى اليقظة ، والاختلاف فى نضج الإدراك بحسب السن. ولا ينبغى أن يعبّر الرؤيا إلا من يحسن تعبيرها ، وآيات رؤيا يوسف كلها تنبئ بأنه نبىّ ، وأن رؤياه وتفسيرها هى رؤيا وتفسير نبىّ ، وذلك لجلائها ، ولأنها عن حق ولا تقول إلا الحقّ.
* * *
٧٩٦. إخوة يوسف يتهمونه بالسرقة
لما اتّهم بنيامين أخو يوسف بسرقة صواع الملك ، دافع إخوة يوسف عن أنفسهم ليبرءوا من فعلة أخيهم ، فنسبوا فعلته إلى اقتدائه بأخيه الشقيق يوسف ، لأن بنيامين كان أخوهم من الأب فقط ، وقالوا : (إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) (٧٧) (يوسف) ، يعنى أنه إن كان قد سرق فالسرقة تجرى فى دمه من أخيه ـ يقصدون يوسف ، لأن الاشتراك فى الأنساب يشاكل فى الأخلاق. وما كان يوسف سرّاقا كما ادّعوا ، ولكنهم اعتسفوا اتهامه تبريرا لبغضهم له ولأخيه الشقيق ، وكانوا جميعا أولاد ضرائر ، وداء الضرائر هو البغض والتحاسد. وقيل : إن عمة يوسف أرادته فى صغره أن يكون فى صحبتها ، فدبّرت أن يبدو كما لو كان قد سرق بعض ما يخصّها وأخفاه فى ملابسه ، وتبعا لشريعتهم فإن السارق يسترقه المسروق منه ، فضمنت أن يلحق بها يوسف ويستمر فى العيش معها. وقيل إنهم قالوا فى يوسف
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
