٧٩٠. حزن يعقوب على يوسف
عند ما فقد يعقوب ابنه يوسف لم يكن يعقوب قد كبر بعد ، ولم يصدق رواية أولاده عن الذئب الذى أكل ابنه ، وأوجس منهم خيفة ، فقال : (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ) (١٨) (يوسف) ، وما كان بوسعه أن يفعل شيئا سوى أن يستعين بالصبر ، ويتوجه إلى الله يسأله اللطف. ولمّا سئل رسول الله صلىاللهعليهوسلم عن الصبر الجميل فى الآية قال : «صبر لا شكوى فيه». وقيل : ثلاث من الصبر : أن لا تحدّث بوجعك ، ولا بمصيبتك ، ولا تزكّى نفسك! ـ ويعقوب فعل الثلاثة ، وكلامه استشهدت به عائشة فى «حديث الإفك» ، فقالت : والله لا أجد لى ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف : (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ)! ـ ثم إن السنوات مرت ، وجاء أولاد يعقوب وأخبروه للمرة الثانية بما جرى لابنه بنيامين ، مثلما جرى ليوسف قديما ، وربط يعقوب بين الحادثتين ، وقوى عنده الشك فى أولاده ، لبغضهم ليوسف وبنيامين ابني راحيل ، وكان ابنه رأوبين مع بنيامين ، يكاد يفقدهما معا ، فلم يقل سوى : (عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (٨٣) (يوسف) ، (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) (٨٤) (يوسف) : يعنى تولّى عن أولاده ، والكظيم هو الحزين الذى لا يشكو ؛ ورقّ أولاده لحاله وقد ابيضّت عيناه من الحزن ، فقالوا على سبيل الرفق به : (تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ) (٨٥) (يوسف) أى ستظل تذكر يوسف ، حتى تضعف صحتك ، وإن استمر بك هذا الحال يصيبك الهلاك والتلف ، (قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ) (٨٦) (يوسف) ، والبثّ هو الهمّ ، وعلمه من الله ـ أى ثقته فيه وإيمانه به. والحزن إن كان شديدا يصيب الحزين فى مقتل ، حتى أن العينين يجف بهما الدمع وتتحجّران ولا تدمعان ، وقد لا ينطق اللسان ، وقد ينقلب الحزن إلى ضده فيكون الحزين كأنه لا يبالى ، أو كأنه مبتهج بالحدث ، وعبّر يعقوب عن ذلك فقال إنه يشكو حزنه إلى الله ويبثه شجنه ، واللجوء إلى الله فى الشدائد دليل الإيمان ، وعند المصائب كثيرا ما يؤمن الكافر ، ويقر المذنب بذنبه وينوب ويتوب. وإيمان يعقوب يبلغ القمة عند ما يقول لهم : (يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ) (٨٧) (يوسف) ، والتحسس طلب الشيء بالحواس ويكون فى الخير ، والتجسس يكون فى الشر ، وروح الله الأمل والرجاء فى الله ، والمؤمن لا يقنط ولا ييأس من رحمة الله ، والقنوط واليأس من الكبائر ، وحزن يعقوب كان حزن نبىّ ليقتدى به ويكون مضرب الأمثال : نقول : صبر أيوب ، ورجاء يعقوب!
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
