والاستنباط. والسيرة هى الهيئة ، والسنّة ، والطريقة ، والمذهب ، وهى حسن السلوك بين الناس ، ومنه قولهم : من طابت سريرته حمدت سيرته. والسيرة : القصة ، نقول سيرة عنترة ، أى قصته ؛ والسير والمغازى من أبواب الأدب فى الإسلام ، وقولهم الإنسان مخيّر لا مسيّر ، أى يذهب فى الحياة حسبما يختار لنفسه ، فلا جبر فى الإسلام.
* * *
١١٨. لو لا نزّل القرآن على محمد جملة واحدة!؟
يأتى فى التنزيل : (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) (٣٢) ، والجواب فى نفس الآية : (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) (٣٣) (الفرقان) وفى التفسير وأغلبه إسرائيليات تدعمها أحاديث منحولة ، أن التوراة والأناجيل نزلت جملة. والحقّ أن عبارات ما يسمى بالتوراة والأناجيل الحالية لم تخطر على رءوس مؤلّفيها : عزرا ، ومتّى ، ومرقس ، ولوقا ، ويوحنا ، إلا من بعد الأحداث التى وقعت لموسى وعيسى بزمان بعيد ، فبين كتابة أسفار موسى الخمسة ووفاة موسى نحو ٣٥٠ سنة ، وكذلك بين وفاة المسيح وكتابة الأناجيل ، ما يتراوح بين خمس وستين سنة ومائة سنة ، فربما يعنى أن المؤلفين وضعوا هذه الكتب مرة واحدة حكاية عمن سبقهم ، وهذا هو تفسير روايتها جملة واحدة ، وإلا فإن أحداث اليهودية والمسيحية وقعت لموسى وعيسى فى حينها ، وعالج كل منهما المناسبات بما يتلاءم معها من تشريعات وأقوال ، وحيا عن ربّهما. والقرآن نزل على محمد ، بألفاظه ، بطريق جبريل ، بلاغا عن ربّه ، منجّما ، أى متفرّقا على مدار الأيام والشهور والأعوام فى ثلاث وعشرين سنة ، بحسب الوقائع والحوادث ، وما يحتاج إليه الناس من الأحكام ، ليثبّت الله به قلب النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، فيؤنسه على الدوام ، ويشدّ من أزر المؤمنين ، كقوله : (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) (٨٢) (الإسراء) ، أى يذهب ما فى القلوب من أمراض الشك والنفاق ، والشرك ، والزيغ ، والميل ، وتتأتى رحمته مما يتحصّل لهم من الإيمان ، ويرين على أذهانهم ويطبع أفئدتهم من الحكمة ، كقوله : (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ) (٤٤) (فصّلت) ، يقول : (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً) (١٠٦) (الإسراء). ومن شأن التفريق تجديد الوحى ، وتيسير الحفظ والفهم على الناس ، فيتعرفون أحكامه كلما تنزّلت ، ويتداولون الحكمة فيها حتى يستوعبوها ، وتستغرقهم مواعظها ، فيرى الرسول صلىاللهعليهوسلم أثر تعليم الله عليهم ، فتنتعش نفسه ، وكلما جاء خصومه بمثل ـ أى حجّة ـ أتاهم بما يدحضها ، ليظهر ضلالهم ، ويكشف عن بطلانهم ، ويفضح عجزهم ، ويبين فشلهم وخذلانهم ، ومن شأن
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
