ذلك أن يشدّ من أزر الرسول صلىاللهعليهوسلم ، ويرهف من عزم المسلمين. وجديد الكلام يقوّى أصحاب الحق ، وما أشبه القرآن بالسلاح فى يد الجندى ، فكلما أتى العدو بالجديد ، أتى الله المسلمين بجديد أحسن منه وأشد فتكا ، وإنما الفرق أن الحرب بالقرآن من قبيل ما يسميه علماء النفس حرب الكلام ، أو حرب الكلمات ، وحرب المنشورات والمؤلفات ، وأقوى ذلك هو الحوار وإن كان بين خصمين متباعدين. وأمريكا تفعل ذلك الآن بالجديد من المصطلحات ، مما يستغرق فكر المتفكرين لاستيعابه ، ويلهيهم عن الردّ عليه ، وما كان القرآن يمهل العدو إلا أن يفحمه بالحجة الداحضة والبرهان الساطع ، ولذلك كان نزوله متفرقا ، فكلما تلمّ الشدائد وتتعدّد أوقاتها نزل القرآن تسلية و «تعزية» للمسلمين ، كأن يورد حكايات عن المرسلين والأنبياء الأولين للمقارنة والمماثلة ، كقوله : (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ) (١٢٠) (هود) ، أو يعظ نبيّه وينصح له ويعده النصر والتأييد والحفظ ، كقوله : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) (٦٧) (المائدة) ، وقوله : (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) (٤٨) (الطور) ، وقوله : (وَاصْبِرْ وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ) (١٢٧) (النحل) ، وقوله : (فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ) (٣٥) (الأحقاف) ، وقوله : (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ) (١٣) (فصلت) ، وقوله : (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) (٤٥) (القمر) ، وقوله : (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ) (٨) (فاطر) ، وأمثال هذه المواقف ، أكانت الآيات المتعلقة بها ينزّلها جملة أم متفرقة؟ وكيف كان يقول له : (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (٣) (الشعراء) قبل أن تكون هناك مناسبة مثل هذا القول؟ وكيف يسبق الأحداث وينزّل عليه آية كهذه : (وَإِنْ كانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْراضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّماءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْجاهِلِينَ (٣٥) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) (٣٦) (الأنعام)؟ وإنه لأجود للقرآن أن ينزل لما يستدعيه فيكون معلّما للناس ، وتفرقته أيسر عليهم لحفظه واستيعابه ، والناس أوعى لما يحفظون ، وأمة الإسلام كانت أمية ، والحفظ لها أيسر ، فإذا فهموه سهل عليهم أكثر ، فكلما استوعبوا آية تهيئوا لاستقبال أخرى واستظهارها ، ومع المدة تنفك عن الناس عقائدهم القديمة ، وعاداتهم الرذيلة ، فيسهل تخلّيهم عنها ، وتتدرج الأمور معهم فيهون عليهم المهم ثم الأهم ، ومع التخلّى يكون التحلّى ، وما يزال ويمحى عنهم من الباطل ، يحلّ محله الجديد الحقّ ، فيطهّرهم بلا عنت ولا حرج ، ولذلك بدأت الدعوة بالتوحيد والإعلام بالبعث والحساب ، ثم فرضت الصلاة ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
