صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَها عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيالٍ وَثَمانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيها صَرْعى كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرى لَهُمْ مِنْ باقِيَةٍ) (٨) ، فزيد فى وصف الريح أنها «عاتية» لا تطاق من شدة هبوبها ، وأنها استمرت معهم بلا توقف ، لا تفتر ولا تنقطع طوال هذه المدة كلها ، ونكّلت بهم ولم تتركهم إلا صرعى كأنهم جذوع نخل منقعر. وما أيسر ما يطاح بجذوع النخل إذا انقعرت. وما كان يوم النحس هذا عند عاد إلا مثالا باهتا ليوم القيامة الذى تكذّب به ، كقوله تعالى : (كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعادٌ بِالْقارِعَةِ) (٤) (الحاقة) ، والقارعة هى التى تقرع الناس لأهوالها ، وهى يوم القيامة ، فالذى فعلته عاد وثمود أنهما كذّبا بيوم الدين ، وبالقيامة ، وبالبعث والنشور والحساب. وفى سورة العنكبوت يأتى أن مساكن عاد كانت ما تزال لها آثار ، وأن مشاهد هذه المساكن تؤكد أنهم كانوا قوما على دراية وعلم ، وهو معنى (مُسْتَبْصِرِينَ) ، وصفوا كذلك لأنهم لم يكونوا حمقى ليكفروا ، فالمسألة معهم أنهم صدّوا عن السبيل ـ صدّتهم الغواية ـ فكفروا : (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) (٣٨). وفى سورة الحج ، وهى سورة مدنية من أواخر السور ، يأتى آخر ما يذكر عن قوم عاد : (وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ) (٤٢) ، والخطاب فيها للنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، يعزّيه الله تعالى ويسليه فى هذه الآية بما حدث للأنبياء من قبله ، فقد كذّبوا فصبروا ، إلى أن أهلك الله المكذّبين. وقصة عاد اشتملت عليها ست وخمسون آية ، كانت مع غيرها من القصص الأخرى ، صورة لما كانت عليه الأمم السابقة ، وهى قصص للعبرة لمن يريد العظة والعبرة فى كل الأمصار والأزمان ، واختلفت بعض كلماتها فى الروايات المتعددة لها ، ولكن المعانى لم تختلف ، وكانت الآيات تتكرر أحداثها وإنما من زوايا مختلفة ، وفى سياقات متباينة ، تضيف إلى الصورة العامة للقصة وتبنى عليها. والحمد لله ربّ العالمين.
* * *
٧٢٢. قصة إدريس
يذكر القرآن إدريس Idris ضمن أنبياء آخرين ، قال : (وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ (٨٥) وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ) (٨٦) (الأنبياء) ، وقال : (وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٥٦) وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا) (٥٧) (مريم) ، وإدريس إذن كان من الصابرين ـ أى على طاعة الله واجتناب معاصيه ، وأدخله الله فى رحمته ، أى جعله من أهل الجنة ، وكان صالحا ، وصدّيقا نبيّا. ولا شىء آخر يذكره القرآن عنه ، غير أنه فى الأدب الدينى له قصص ، لا سند لها ولا مرجع ، وكلها من الإسرائيليات عن الأدب اليهودى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
