٧١٩. قصة ابن نوح
كان نوح أول نبىّ يبعث ، وظل يدعو قومه نحو ستمائة سنة ، وعيل صبره فدعا على قومه ، وأمره الله أن يصنع سفينة ، وأن يحمل عليها من كل مخلوق من مخلوقاته تعالى زوجين ، وأن يصحبه أهله ومن آمن ، وما آمن معه إلا قليل ، فلما حان الحين أمطرت السماء بماء منهمر ، وفجّرت الأرض عيونا ، وغرقت الأرض وصار الموج كالجبال ، وجرت السفينة بسلام ، ولم تركب امرأة نوح مع زوجها فقد كانت مع قومها ، وكانت تسخر منه وهو يصنع السفينة ، فغرقت مع من غرق ، وكذلك ابنه الأكبر ، لم يكن من المؤمنين ، وكان الله قد وعده أن ينجيه ـ أى نوحا ، وأهله دون الظالمين ، قال : (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (٢٧) (المؤمنون) ، والذين ظلموا هم قوم نوح ، وعلى رأسهم امرأته وابنه ، ولم يشفع نوح لامرأته ولكنه شفع لابنه ، وكان قد اتخذ طريقه إلى الجبل لينجو من الماء ، كقوله تعالى : (وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ (٤٢) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ) (٤٣) (هود) ، وقوله : (وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ (٤٥) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ (٤٦) قالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْئَلَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ) (٤٧) (هود) ؛ ونداؤه ربّه هو دعاؤه أن ابنه من أهله كما وعده ، وتناسى نوح قوله تعالى له : (إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) (المؤمنون ٢٧) ، ولم يكن ابنه من أهله باعتراف نوح ، قال : (يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ) (٤٢) (هود) ، وكان من المحال أن يسأل نوح هلاك الكفار فلا يترك منهم على الأرض ديّارا ، ومع ذلك يستثنى ابنه؟! وقوله تعالى : (يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ) مع قوله بخصوص امرأته وامرأة لوط : (كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما) (التحريم ١٠) قد يجعل البعض يظن أن ابن نوح هذا كان من زنى ، ونساء الأنبياء لا يزنين ، وخيانة امرأة نوح كانت فى الدين لا فى الفراش ، وإنما المعنى أنه ليس من أهل نوح الذين وعدوا بالنجاة ، وليس من أهل دينه ولا من المؤمنين به ، وقوله : (إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ) (٤٦) (هود) لأنه كفر بالله وكذّب برسالته. والدرس المستفاد من هذه القصة : أن الصالحين قد يكون من أولادهم فاسدون ، والقصة على ذلك تسلية للخلق عامة وللمؤمنين خاصة فى فساد الأبناء مع صلاح الآباء. وكان ابن الإمام مالك أحمق ، فقال الإمام وفى باله هذه القصة : إن الأدب أدب الله لا أدب الآباء والأمهات ، والخير خير الله لا خير الآباء والأمهات!
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
