حاولوا قتله ، وآذوه فى نفسه وجسمه وعرضه وماله وأصحابه ، تماما كما فعل كفّار قريش بالنبىّ صلىاللهعليهوسلم ، غير أن نوحا لمّا نفد صبره ولم يعد فى قوسه منزع كما يقولون ، دعا ربّه عليهم ، ونبيّنا لم يدع على قومه ، وصبر وثابر لعله يخرج من أولادهم من يعبد الله. وعبارة نوح التى دعا بها مشهورة يرددها كل مستضعف ، كلما أعياه أمر الظلمة ، ولم يعد يقوى على مغالبة المستقويين ، تقول : «ربّ ، إنى مغلوب فانتصر» ، والدعاء كبير وخطير ، واستجابت له السماء فورا ، وفتحت له أبوابها ، وانهمر الماء منها يصبّ صبّا على الأرض ويغرقها ، وتفجّرت الأرض بالعيون ، والتقى ماء السماء وماء الأرض ليصنعا أكبر وأخطر وأعظم طوفان فى التاريخ ، ولو لا أن الله أوحى إلى نوح أن يصنع سفينته من ألواح شدّها إلى بعضها البعض بالحبال ، لما بقى فى الدنيا من الأحياء أحد ، وجرت السفينة وسط عباب الماء ، والله يكلؤها بعنايته ورعايته ، ونجا نوح ومن معه جزاء له ولهم على إيمانهم.
* * *
٧١٨. قصة امرأة نوح
لم يتزوج النبىّ نوح إلا امرأة واحدة ، وأنجب منها أربعة أبناء ، مات منهم الابن الكافر ، ويبدو أنه كان أكبرهم ، وعاش ثلاثة : سام ، وحام ويافث. ولم تركب امرأة نوح معه السفينة وأغرقها الطوفان مع الغارقين ، وصنّفت مع امرأة لوط ، وقيل فيهما : (ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ) (١٠) (التحريم) ، وامرأة نوح إذن مثل للمرأة الكافرة ، وخيانتها لنوح أنها لم تؤمن به ، فكان بيتهما نصفه مؤمن ونصفه كافر ، وكانت تهزأ به وتسخر من دعوته ، وتصفه مع قومها بأنه مجنون ، وخيانتها له إذن كانت خيانة فى الدين ، وما كانت بغيا ، وكانت تفشى أسرار بيتها ، وتنمّ على زوجها ، وكلما أوحى إليه بشيء أبلغت قومها به ، فكان حسابها عند الله عسيرا ، ومع كل ما لنوح عند الله من كرامة إلا أنه لم يدفع عنها عند ربّه ، ولقد دفع عن ابنه ـ وكان مثلها من الكافرين ، ولم يؤمن بنوح ، ولم يقبل الله فيه شفاعته. والدرس المستفاد من القصة : أن العذاب فى الدنيا والآخرة يدفع بالطاعة وليس بالوسيلة. والقصة ضربت مثلا لكفار مكة ، ليعلموا أن لا أحد مهما علا ، بمنأى عن العذاب طالما هو كافر.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
