الأعجمية. والمبلس هو اليائس ، كقوله : (كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (٤٩) (الروم) ، أى يئسوا وأصابهم من شدة يأسهم الاكتئاب ، وفى المقابل يقول تعالى : (إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) (٤٨) (الروم) فجعل المبلسين نقيض المستبشرين.
وكما تنفرد العربية باسم إبليس فلا نعثر عليه فى كتب اليهود ، فإنه فى النصرانية غير موجود كذلك ، ويأتى فى الترجمات العربية لبعض كتبهم كمرادف عربى لشيطان ، فالاسم إبليس عربى قحّ ، ومترجم إنجيل متّى بدلا من شيطان devil استخدم إبليس (٤ / ١) ، وجعله يجرّب المسيح ؛ والمترجم العربى لرؤيا يوحنا استخدم إبليس كذلك (١٢ / ٩) ، ووصفه بأنه التنين العظيم ، أى الحية القديمة المسماةdiabolos ، أوdiofol ، أوtiufal ، أوdjofull ، وقصد إلى أن يستخدم الاسم الشائع فى العربية للاسمين devil وsatan ، فترجم الأول إبليس ، والثانى الشيطان ، وإلا فلا وجود لاسم إبليس فى أى من اللغات إلا العربية. ثم إن هناك اختلاف بين قصة إبليس فى القرآن وقصته فى التوراة فى سفر التكوين ، ثم فى الإشارات عنه عند متى (٤ / ١ ـ ١١) ، وعند لوقا (٨ / ١٢) ، وبطرس الأولى (٥ / ٨) ، وإفسس (٦ / ١١) ، وتيموثاوس الثانية (٢ / ٢٦) ، وكورنثوس الثانية (١١ / ٣) إلخ. والقصة القرآنية شديدة الحبكة ، والحركة فيها سريعة ، والعبارات والكلمات تترى مناسبة للمواقف الخطيرة ، وشخوص القصة واضحة المعالم لها إرادتها وخياراتها ، وسقوطها من نفسها له دوى فظيع ونتائج ملحمية كبرى ، وليس كذلك القصة فى التوراة ، فهى تروى عادية ، وتسرد وقائعها سردا فى سطور قليلة ، وتؤدى الحيّة دور الشيطان ، والجنّة فيها جنة أرضية يرادف اسمها اسم البستان ،. وليس بالقصة التوراتية المشاهد العظيمة الكبرى التى فيها الحوار بين الله تعالى وبين إبليس والتى تأتى فى القرآن ، وإنها لمشاهد فى قمة السمو الفكرى ، والتعبير فيها آية فى البلاغة ، والكلمات اصطلاحية وحافلة بالرمزية ، ولعمرى لم لم يتناول المستشرقون هذه القصة وينبّهوا إليها ولو باعتبارها من عيون الأدب والفكر الفلسفى العالميين ، إلا أن يكون هو الحسد دفعهم إلى ذلك ليغمطوا القرآن حقّه ، وأنه الكتاب المنزّل من لدن الله ، وأن قصصه هو القصص الحق.
وإبليس فى قوله تعالى : (وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَاسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) (٣٤) (البقرة) لا يعنى أنه من الملائكة فالاستثناء منقطع ، والله تعالى وصف الملائكة بأنهم : (لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ) (٦) (التحريم) ، وقال فى إبليس : (إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) (الكهف ٤٨) ، والجنّ غير الملائكة ، والجنّ خلقوا من نار السموم ، وخلقت الملائكة من النور. وقيل سمّى الجنّ جنّا من
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
