تلقّى العلم كان أولى مهامه ، وكان عبادته لله تعالى ، وأن أول دروس العلم هو معرفة أسماء الأشياء والأشخاص والموجودات ، وأن الله تعالى كان مدرس آدم ، يعنى أن العلم بالأشياء فى الإنسان فطرة ، وأن الأمر فى تعليم الصغار هو أن نحيى فى فطرتهم ما علّمه الله لآدم وانتقل فيهم چينيا ، وتعليمه تعالى ـ والتعليم عموما ـ هو التعريف بالأسماء ، والله تعالى عرّف آدم بها ، وكان تعليمه له إلهاما ، والأسماء مفردها «اسم» ، وهو اللفظ الموضوع على جوهر أو عرض لتعيينه ولتمييزه ، ويراد به الاسم والمسمى ، فالاسم كقولنا أسد ، من ثلاثة حروف ، والمسمى هو الحيوان الذى له صفات معينة ، وقوله : «كلها» للإحاطة والعموم ، وفى الآية دليل على أن اللغة مأخوذة توقيفا ، والله تعالى علّم آدم أسماء ما خلق وأبدع مما لم تعلمه الملائكة ، ومعنى أنه سمّى له كل شىء باسمه ، أنه ذكر له منفعته ومضاره ـ فذلك سبب إعطائه الاسم ، وقيل : علّمه الأسماء فى مختلف اللغات ، فلم يكن آدم يتكلم لغة واحدة ، واللغات كلها أسماء. والآية فى عمومها دليل على فضل العلم وأهله ، وباعتبارها فإن آدم هو «أول علماء بنى البشر» ، وهو «رأسهم» ، وفى الحديث أن الله يباهى الملائكة بأهل عرفات ، وهم العلماء ، وسجود الملائكة إنما لصفة العلمية عند آدم ، وسجودهم ليس تذللا وخضوعا ، ولا سجود عبادة ، وإنما سجود تكريم لما حباه الله من العلم ، وكان سجود الملائكة تعليما للبشر أن يسجدوا للعلم ، فالناس إما علماء وإما جهلاء ، والعلماء هم بنو آدم عن حقّ.
* * *
٧٠٨. إبليس
«إبليس» اسم عين للشيطان ، وقيل اسم أعجمى أصله diabolos اليونانية ، وشتّان بين الاسمين ، فإبليس عربى من البلس وهو الشرّ ، ويطلق على ثمر كالتين ، وعلى العدس المأكول ؛ والبلسان شجر كشجر الحناء ينبت بعين شمس فى مصر ، وأبلس يئس وتحيّر ، وبلبيس من مراكز مصر ، وبولس سجن بجهنم ، فكما ترى أن اسم إبليس عربىّ صميم. وفى القرآن يتكرر إحدى عشرة مرة ، يقترن فيها جميعا بالعصيان والبهتان ، والكبر والحسد ، والمكيدة والحيلة ، والرفض والجحد والعناء ، وفى القرآن : (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ) (١٢) (الروم) ، يعنى يسكتون وتنقطع حجتهم ، ومن هذا المعنى كان اشتقاق الاسم إبليس على وزن إفعيل ، لأنه انقطعت حجته. ومن يقول أن الاسم أعجمى يتعلّل بأنه غير منصرف فى القرآن ، ولو كان عربيا لانصرف. والصحيح أنه لم ينصرف لأنه معرفة ولا نظير له فى الأسماء ، فلم يعرف أحد باسم إبليس إلا هو ، فشبّه بالأسماء
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
