وفى سورة أخرى يقص القرآن : أن الله قد عهد إلى آدم فنسى ولم يكن له عزم ، وسجد له الملائكة إلا إبليس ، فحذر الله آدم وزوجته منه ، لئلا يخرجهما من الجنة فيشقيا ويعرفا الجوع والعرى والظمأ وشدة الحرّ ، وعصى آدم ربّه فغوى ، وأكلا من الشجرة المحرّمة وبانت سوءاتهما ، واستغفر آدم وتاب ، واجتباه ربّه فتقبل منه وهداه ، وقضى الله تعالى أن يهبطوا جميعا أعداء لبعضهم البعض إلا من اهتدى (طه ١١٥ ـ ١٢٣) ، وليس فى النص القرآنى أن حية غوت حواء ، أو أن حواء غوت آدم ، وإنما كانت الغواية من إبليس لآدم ، وتابعته امرأته على ما فعل ، وتاب آدم وأناب وهداه الله ، وكان عليهم أن يتركوا الجنة ويهبطوا للأرض ليشقوا ويتعادوا إلا من هدى الله ، وجميعها تفاصيل لا يشبهها شىء فى التوراة!
وفى سورة أخرى يبلغ الحواريين الله تعالى وبين إبليس ذروة درامية رفيعة ، وتسبق ذلك وتمهد له عبارات آية فى الجمال ، ويختلط السرد بالحوار ، ويأتى ردّ إبليس : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (الأعراف ١٢) ، ويكون الحكم الإلهى : (فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) (٨٨) (ص) ، ويحاور إبليس ويداور ثم يقول قولا منكرا : (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) (٨٣) (ص) ، وينهى الله تعالى الحوار نهاية يوجز بها قصة الخروج فيقول : (فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) (٨٥) (ص).
فالقرآن كما ترى أغنى فى التفاصيل ، وما يرويه أكثر معقولية ، وروايته رواية شاهد يعرف ما يقول ، ويشهد بما يعرف ، وبما يعنيه ويتضمنه ويشتمل عليه من نتائج ودروس مستفادة ، وشتّان بين روايته والرواية الفجّة التى يسردها التوراة!
* * *
٧٠٠. دخول آدم وحواء فى الجنة للسكنى لا للإقامة
لمّا كفر إبليس أخرجه الله تعالى من الجنة وأبعده عنها ، وبعد إخراجه قال لآدم : (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) (البقرة ٣٥) ، والسكنى تعنى الإقامة ، والإقامة لا تكون إلا لمدة ، ومن لحظة أن قال لهما (اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ) كان ينبغى أن يفهما أن سكناهما الجنة هى سكنى مؤقتة ، وعليهما أن يرتقبا خروجهما ، وسكناهما إذن من نوع «السّكنى الرّقبى ، أى السكنى ومراقبة أن تكون لمدة ، بعكس السّكنى العمرى ، أى السكنى طوال العمر ، أو السكنى مع حق الإعمار فى السكن ، كما فى قوله تعالى : (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها) (هود ٦١) ، أى أسكنكم فيها لأعماركم ، ولكى تعمروها ، وفرق بين أن
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
