وعن أنس أن الرسول صلىاللهعليهوسلم قال عن جنة عدن : «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة من درة بيضاء ، ولبنة من ياقوتة حمراء ، ولبنة من زبرجدة خضراء ، ملاطها المسك ، وحصباؤها اللؤلؤ ، وحشيشها الزعفران ، ثم قال لها : انطقى فقالت : (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) ، فقال الله : وعزّتى وجلالى لا يجاورنى فيك بخيل» ، ثم تلا رسول الله صلىاللهعليهوسلم : (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر ٩). وهذه الصورة الحسيّة لجنة عدن إنما هى كناية لما لا سبيل إلى وصفه منها بلغة البشر ، وتصويرها بهذه الصورة المادية لتجسيم المعنى المعنوى وجعله أسهل للفهم وألصق بالذاكرة. وفى التوراة لا يرد إطلاقا اسم الجنة فى أى من الأسفار بخلاف هاتين المرتين التى ورد فيهما مضافا إلى عدن ، وثواب اليهود فى الدنيا ، ينعّم فيها الله المؤمنين ، وعقاب العاصين فى الدنيا أيضا. وجهنم عندهم هى هنوم ، تنسب لواد على مشارف القدس كانت تحرق به الزبالة ، ثم أطلق على محرقة الأجساد رمزا للهلاك الأبدى.
وقصة الخروج من الجنة تختلف فى كل تفاصيلها فى القرآن عن التوراة ، ففي القرآن أن الله قضى بأن يخلفه آدم وبنوه على الأرض ، وأنه تعالى علّمه أسماء الموجودات ، وأنه التقى بالملائكة لينبئهم ، ولمّا لم يفهموا وأبدوا التخوّف طمأنهم أنه علّام الغيوب ، وعرض آدم عليهم فأنبأهم بالأسماء ، ودهشوا لعلمه ما لا يعلمون ، وسجدوا له بأمر الله إلا إبليس فقد أبى واستكبر. وأسكن الله آدم وزوجته الجنة ونهاهما عن الاقتراب من الشجرة ، فأزلّهما الشيطان عنها ، فوجب خروجهما من الجنة ، وهبطوا إلى الأرض جميعا ، آدم وزوجته وإبليس ، بعضهم لبعض عدو ، وتاب آدم بما تلقى من الله من كلمات ، وعاش وزوجته على الأرض يتناسلان وبنوهما ، فمن يتّبع هدى الله لا يحزن ولا يخاف ، ومن يكفر ويكذّب فأولئك أصحاب النار (البقرة ٣٠ ـ ٣٩) ، وهذه تفاصيل لا يوجد إطلاقا ما يشبهها فى التوراة ؛ والقصة برمتها فى القرآن فى غاية السمو ، والحبكة فيها فى غاية القوة.
وفى سورة أخرى يأتى الخلاف مع إبليس ، وعناده وإصراره على الاستكبار حسدا لآدم واستعلاء ، ويلعنه الله ، فيطلب أن ينظره إلى يوم البعث ، ويعده أن يغوى بنى البشر أجمعين ، وأن يقعد لهم كل مقعد ، وبدأ بآدم وحواء ، وأوقعهما فى المكروه فذاقا الشجرة المحرّمة ، وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ، واعتذرا لله أنهما ظلما نفسيهما وطلبا المغفرة ، فأهبطهم جميعا إلى الأرض ، يستقرون فيها إلى حين ، متخاصمين ومتعادين إلى أن يموتوا فيها ثم يبعثوا منها يوم القيامة (الأعراف ١١ ـ ٢٥). وفكرة الشيطان ، والصراع الأجناسى بين إبليس وآدم ، وتوعّده لبنى البشر ، وطلب آدم وحواء للمغفرة ، وحكم الله فيهما ، كل ذلك غير موجود فى النصّ العبرى.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
