٦٩٢. سورة النصر
السورة مدنية ، وهى آخر ما نزل من السور ، وكان نزولها فى منى فى حجّة الوداع بعد أيام التشريق ، تبشّر النبىّ صلىاللهعليهوسلم بفتح مكة ، ولذلك سميت سورة الفتح ، ولأن البشارة فيها كانت بالنصر فسميت «سورة النصر».
فلما فتحت مكة صار العرب يقدمون إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم أفواجا أفواجا يعلنون إسلامهم ، وأمره الله إذا وجد ذلك وفتح عليه ، أن يستغفره ويتوب إليه. وتساءل المستشرقون والمشركون : لا بد أنه أذنب قبل الإسلام وبعده وإلّا فلما ذا يؤمر بالاستغفار؟ والجواب : الاستغفار كان دأبه صلىاللهعليهوسلم ، فكان يدعو : ربّ اغفر لى خطيئتى وجهلى وإسرافى فى أمرى كله ، وما أنت أعلم به منى. اللهم اغفر لى خطئى وعمدى ، وجهلى وهزلى ، وكل ذلك عندى. اللهم اغفر لى ما قدّمت وما أخّرت ، وما أعلنت وما أسررت ، أنت المقدّم وأنت المؤخّر ، إنك على كل شيئ قدير». أخرجه البخارى ، فكأنه كان يستقصر نفسه لعظم ما أنعم الله عليه ، وكان يرى قصوره عن القيام بحق الشكر فيستغفر ، والاستغفار تعبّد يجب إتيانه ، ليس طلبا للمغفرة وإنما تعبدا ، وهو تنبيه لأمة الإسلام حتى لا تترك الاستغفار. فإذا كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم ـ وهو المعصوم ـ يؤمر بالاستغفار فما الظن بغيره؟ وفى رواية للبخارى عن عائشة : أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم كان يكثر بعد نزول هذه الآية ـ أن يقول فى ركوعه وسجوده : «سبحانك اللهم ربّنا وبحمدك. اللهم اغفر لى» ، وفى رواية أخرى قالت : كان يكثر فى آخر أمره من قول : «سبحان الله وبحمده استغفر الله وأتوب إليه» ، وكان يقول : «إن ربّى كان أخبرنى أنى سأرى علامة فى أمّتى ، وأمرنى إذا رأيتها أن أسبّح بحمده وأستغفره إنه كان توّابا ، فقد رأيتها : (إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً) (٣). وفى رواية أم سلمة قالت : كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم آخر أمره لا يقوم ولا يقعد ، ولا يجيء ولا يذهب ، إلا قال : سبحان الله وبحمده ؛ استغفر الله وأتوب إليه ـ فإنى أمرت بها». وفى رواية أبى هريرة قال : اجتهد النبىّ صلىاللهعليهوسلم بعد نزول سورة الفتح حتى تورّمت قدماه ، ونحل جسمه ، وقلّ تبسّمه ، وكثر بكاؤه». وقيل : إنه ما كان قط أشد اجتهادا فى أمور الآخرة ما كان منه عند نزولها ـ أى نزول سورة النصر. ولما نزلت سورة النصر ، قرأها على أصحابه ففرحوا واستبشروا ، إلا العباس فإنه بكى ، وسأله النبىّ صلىاللهعليهوسلم : «ما يبكيك يا عمّاه؟ قال : نعيت إليك نفسك!» فكأن السورة كانت علامة تؤذنه بحضور أجله ، وأسرّ بذلك لعائشة. وقيل إنه بعد نزولها ، نزلت : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) (٣) (المائدة) فعاش بعدها ثمانين يوما ، ثم نزلت آية الكلالة ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
