تقول : (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ) (١٧٦) (النساء) فعاش بعدها خمسين يوما ، ثم نزلت : (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) (١٢٨) (التوبة) ، فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما ، ثم نزلت : (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ) (٢٨١) (البقرة) ، فعاش بعدها واحدا وعشرين يوما. والسورة لذلك تسمّى سورة التوديع.
* * *
٦٩٣. سورة المسد
السورة مكية ، وآياتها خمس ، نزلت بعد الفاتحة ، وترتيبها فى المصحف الحادية عشرة بعد المائة ، وفى التنزيل السادسة ، وتسمى «سورة اللهب» ، و «سورة المسد» ، و «سورة تبّت» ، وكلها أسماء من السورة نفسها. وأبو لهب كان اسمه عبد العزّى ، وكان عمّ النبىّ صلىاللهعليهوسلم ، وامرأته هى أم جميل وكانت أخت أبى سفيان ، وكما غلبت عليها كنيتها : «أم قبيح» أو «العوراء» ، كما غلبت على زوجها كنيته : «أبو لهب» ، فقد كان غضوبا فيحمر وجهه كاللهب ، فكان اسمه أشرف من كنيته ، وحققت له الكنية نسبته بأنه من أصحاب النار ، بل وأبّ لها ، فكانوا يتطيّرون به لهذا السبب ، أو أنهم كانوا يتطيّرون به فسمّوه لذلك أبا لهب ، وكانت زوجته شديدة العداوة للنّبى صلىاللهعليهوسلم ، وسبّه أبو لهب مرة وقال له : تبا لك! فنزلت : (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَ) (١) ومعناها خسرت يداك ، وضلّ سعيك وعملك ، وتبّ الثانية أى وتحقق هذا فعلا. وكانت امرأته تسيء إلى النبىّ صلىاللهعليهوسلم فتقول فيه إنه : مذمّم وليس محمدا ، باعتبار مذمم هى النقيض لمحمد ، وكانت تمشى بين النساء تحمل له الذمّ ، وتنمّ عليه ، فقد توعدها الله بأن تحمل الحطب ، وأن تربط من عنقها بحبل من المسد أو الليف ، وقد كان فى عنقها عقد من خرز فباعته لتنفقه فى عداوة محمد كما قالت. وكان من الممكن أن يعلن أبو لهب وامرأته إسلامهما بعد هذه السورة ، ليظهرا كذب القرآن ، وأن تقرير النار لهما هو دعوى لا غير ، فلم يفعلا ، وماتا على الكفر ، فصدق فيهما القرآن ، أنهما يصليان النار. وفى الإخبار عن كفرهما الدائم معجزة للقرآن ، وقيل ماتت امرأة أبى لهب مخنوقة بحبل ، ومات أبو لهب بالطاعون ، وتركوه ثلاثة أيام حتى أنتن ، يخشون العدوى ، واجتمع أولاده على جثته يرشونها بالماء من بعيد ، ورموا عليه ما يبعد عنهم العدوى ، ثم احتملوه إلى أعلى مكة وردموا عليه بالحجارة. والدرس المستفاد : أن أعداء الإسلام ما يفيدون قط من عداوتهم للإسلام ، وأنهم على الباطل وضد الحق ، والباطل هو جحود الخالق وإنكار أنه الواحد ، والحق أن ندين له بالعبودية ونشهد بوحدانيته ، والحق يعلو ولا يعلى عليه ، وإنّ ربّك لبالمرصاد.
* * *
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
