أعمدتها ، وبقدر ما فى قلبه من عصيان بقدر ما يلقى فيها من عذاب ، لأنها نار تطّلع على الأفئدة ، وتعرف ما بداخلها من أسرار ونوايا وخفايا ، نسأل الله العافية ، ونعوذ به من هذا العذاب المهين.
* * *
٦٨٧. سورة الفيل
السورة مكية ، وآياتها خمس ، وكان نزولها بعد «الكافرون» ، وترتيبها فى المصحف الخامسة بعد المائة ، وفى التنزيل التاسعة عشرة والسورة من النّعم التى امتنّ بها الله على قريش ، وتحكى عن قصة أصحاب الفيل ، وتستفتح باستفهام تقريرى : (أَلَمْ تَرَ) ، وهو من أساليب القرآن المكررة ويأتى ٣١ مرة ، والخطاب خاص للنّبى صلىاللهعليهوسلم ، ولكنه عام لكل المسلمين ، تقول السورة : ألم تروا ما فعل الله بأصحاب الفيل؟ ولقد رأى العرب حدث الفيل وعاينوه ، وكانت ولادة النبىّ صلىاللهعليهوسلم عام الفيل ، وقيل : يوم الاثنين ، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان ؛ وقيل : يوم الاثنين الثانى عشر من ربيع الأول ؛ وقيل : إن عام الفيل كان قبل مولده صلىاللهعليهوسلم بأربعين سنة ، وقيل بثلاث وعشرين سنة. وروى عن النبىّ صلىاللهعليهوسلم قوله : «ولدت عام الفيل» ، أو قال «يوم الفيل» ؛ وقيل : كانت ولادته يوم عاشوراء من شهر المحرم. ومناسبة هذه الاجتهادات والاختلافات ، قوله تعالى فى السورة (أَلَمْ تَرَ)؟ يعنى يا محمد ، وهو لم ير ، ولكنه سمع وفهم ووعى ، والرؤية هنا المقصود أنها : بالبصيرة. ولقد أكرم الله قريشا بسبب بيته «الكعبة» ، فكان وجود الكعبة فى مكة نعمة لم تقدّرها قريش ، فبسبب البيت حفظت من العدوان ، ومن كراماته أن دعا لهم إبراهيم ، لأنهم حوله ، قال : (رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ) (١٢٦) (البقرة) ، فكان الحجاج يأتون من كل فجّ ومعهم من كل الثمرات ، وبورك لهم فى رحلتى الصيف والشتاء ، فكأن سورة قريش هى المكملة لسورة الفيل ؛ والفيل : حيوان ضخم الجثة ضعيف العقل ، وكذلك أصحاب الفيل ، كانوا كثرا ، ولكن قيادتهم كان بها حمق وبله ، والعرب تقول : رجل فيل الرأى ، أى ضعيف الرأى ، والجمع أفيال ، ويقولون : فال ـ أى ضعف عقله. وأصحاب الفيل كانوا على الحقيقة يتخذون الفيل سلاحا يخيفون به العرب ، وكانوا أيضا مجازا ضعاف العقول ، يظنون أن الكثرة والقوة سبب للنصر ، ولم يعوا أن النصر بيده تعالى ، يعزّ من يشاء ، ويذلّ من يشاء ، فمن تكون له عزّة يعزّ بها الناس ، وينتصف بها للمظلوم من الظالم ، ويمنع بها استقواء المستقويين ، أعزّه الله ؛ ومن تكون العزّة فيه تجبّرا وطغيانا وظلما وعسفا بالناس ، أذلّه الله ، وأصحاب الفيل كانوا جبابرة ، ويرأسهم أبرهة ، وكان من الطواغيت ،
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
