والخسران : هو الذى يفضّل العاجلة على الآجلة ، وليس صحيحا أن القسم فى السورة بصلاة العصر ، كقسمه تعالى بالضحى ، وبالفجر ، فالسياق العام لا يتفق مع هذا التفسير ، وإنما القسم بالزمان ، لأن وجود الإنسان فى العالم وجود زمانى ، ووجوده تعالى لا زمانى ، ولا يجرى الزمان عليه ولا يتعين وجوده به. والزمان هو أخطر وأهم ما فى وجود الإنسان ، فالإنسان يعيش فى الزمان ، والزمان يطبق عليه ، ولا يوجد الإنسان بدون الزمان ، ولذلك يقسم الله تعالى به. والسورة من الإعجاز الفلسفى والنفسى للقرآن ، لأن الزمانية فيها ليست مجرد ماض وحاضر ومستقبل ، وليست زمانية ستاتيكية ، لأن الزمان فى السورة سيّال ، ومجراه مستمر ، وزمانيته ديناميكية ، وشعورنا بالزمان الذى يجرى هو ما أسميه الزمانية النفسية ، ودليلها الاستثناء فى السورة من الخسران بأربعة أشياء : بالإيمان ؛ والعمل الصالح ؛ والتواصى بالحق ؛ والتواصى بالصبر ؛ فنجاة الإنسان تكون بأن يعيش الزمان لا كميا وإنما نفسيا. بالإيمان والعمل الصالح ، يكمّل بهما نفسه ، وينصح الغير بطلب الحقّ والصبر عليه ، فيكون قد جمع بين حقّ الله وحقّ العباد ، وهذه هى الزمانية المعاشة كأعمق ما يمكن أن تعاش ، وهى زمانية المؤمن ، وهى زمانية سرمدية ، فمن يريد ألا يخسر الزمان ، وأن يحياه عن حق ، فليؤمن.
* * *
٦٨٦. سورة الهمزة
السورة مكية ، وترتيبها فى التنزيل الثانية والثلاثون ، وترتيبها فى المصحف الرابعة بعد المائة ، وآياتها تسع ، وكان نزولها بعد سورة القيامة ، وموضوعها أخلاقى : يتناول المشّائين بالنميمة ، وفى الحديث : «شرار عباد الله : المشّاءون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبّة ، الباغون للبرآء العيّب» ، والهمزة : الذى يغتابك من ورائك ؛ واللّمزة : الذى يغتابك فى وجهك ، كقول القائل :
|
تدلى بودّى إذا لاقيتنى كذبا |
|
وإن أغيب فأنت الهامز اللّمزة |
وقيل : السورة نزلت فى الأخنس بن شريق وكان يلمز الناس ويعيبهم ، ولكنها مرسلة على العموم من غير تخصيص ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وتذمّ السورة الذين همّهم الأكبر فى الحياة جمع المال وتكديسه ، يحسبون أنهم بالمال سيخلّدون فى الدنيا ، وتختم السورة بتحذيرهم وتوعّدهم بأقسى النار عذابا ، وهى الحطمة : التى تحطم من يلقى فيها ، وتكسر عظامه ، وتحرقه فيكون حرقه كالفرقعات ، فيه تهشيم وتحطيم وتكسير ، ولا يستطيع الإفلات منها ، لأنها تحيط به ، وتحبسه داخلها ، وتربطه إلى
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
