فلما قدم مكة غازيا يريد هدم البيت ، عاب على عبد المطلب أن يكلمه فيما استولى عليه أبرهة من إبل قريش ، ولا يكلّمه بشأن البيت ، فردّ عليه ردّه المأثور : إنى أنا ربّ الإبل ، وإنّ للبيت ربّا سيمنعه! ولقد كان ، وتحقق ما قاله عبد المطلب ، فأرسل الله تعالى على جيش أبرهة (طَيْراً أَبابِيلَ) (٣) ، أى كالجراثيم الكثيرة ، (تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ) (٤) ، أى بحجارة من جهنم ، يعنى لها تأثير قاتل ، لقوله فى قوم لوط : (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) (٧٤) (الحجر) ، فقيل : هى حجارة من طين حمى عليها بنار جهنم ، كقوله تعالى : (لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) (٣٤) (الذاريات) ، أى تسومهم وتترك بهم علامات الموت ، وقيل : كان جلدهم ينفط منها كنفط الجدرى ، ولربما كان ابتلاؤهم بالجدرى ، وربما بما هو ألعن ، وربما كانت الطير الأبابيل هى فيروس هذا المرض ، أو مرض غيره ، وكأن الحرب المعلنة على جيش أبرهة كانت حربا بيولوجية ، أو حربا جرثومية ، فلم يكن بوسعهم أن يدفعوا عن أنفسهم ابتلاء السماء ، فكانوا (كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ) ـ أى كورق الشجر المأكول الذى تهرّأت بقاياه ، فإن كان ذلك ممكنا الآن لدول كأمريكا وانجلترا وحتى إسرائيل ، أفلا يكون ذلك محققا لله تعالى وهو ربّ القدرة والإمكان؟ والسورة على ذلك من معجزات القرآن العلمية ، وكان تفسيرها قديما يشق على الناس ، ولكنه يتيسّر الآن : بالمخترعات العلمية والكشوف فى مجال البيولوجيا الحربية والحرب الميكروبية.
فهل يتعظ أصحاب المزاعم العريضة كأمريكا وإسرائيل ، وأىّ من الطغاة المعادين للإسلام ، فإن الله مع الحق ، والمسلمون فى حرمه تعالى سواء فى مكة أو فى خارجها ، فالأرض كلها والكون ، بيت محرّم من بيوت الله ، وكل بيت مسلم هو حرم آمن بإذن الله ، والله مع الصابرين. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) (٢٢٧) (الشعراء). (انظر قصة أصحاب الفيل ضمن باب قصص القرآن).
* * *
٦٨٨. سورة قريش
السورة مكية ، وآياتها أربع ، نزلت بعد «التين» ، وترتيبها فى المصحف السادسة بعد المائة ، وفى التنزيل التاسعة والعشرون ، وفيها إخبار بما كانت عليه قريش من نعم ، وعمّا اختصت به من أمن وأمان وخير وسعة ، بسبب أنهم كانوا أهل بيت الله ، ولو لا البيت ما كانت لهم هذه النّعم ، فالبركة بسبب البيت ، والأمر كله موكول برضاء الله. وتتصل معانى السورة بمعانى سورة الفيل التى تأتى قبلها فى المصحف وفى التنزيل ، حتى لكأنما هما سورة
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
