للعاقلين وليس للغافلين ، ولأهل الحجى والبرهان وليس لأهل التباجح والبطلان ، فهل للكون من خالق سوى الله؟ وكما أنه الواحد فى ملكه فيكون الواحد فى عبادته ، فكيف يكون أحد ثلاثة كما يقول النصارى؟ وكيف يكون هو هذا الربّ الحقود الغيور الناقم الظالم الذى يتعبّده اليهود ، ولو كان كذلك لاختل الكون واضطرب ، ولما ارتفعت السماء وانبسطت الأرض. وطريقة القرآن فى السؤال والجواب ، هى الطريقة المثلى للعلم والمعرفة والتعليم ، والنبىّ خير معلّم ، والقرآن خير الكتب للتعليم ، وكان السوفسطائية يعلّمون فى اليونان بالأجر ، والعلم والمعرفة سلعتان بمنطق العصر ، وبلغة الاقتصاد والسوق ، وكان أحبار اليهود وقساوسة النصارى يتقاضون الأجور فى مجتمع مكة والمدينة ، ولكن النبىّ صلىاللهعليهوسلم بعث معلما بلا أجر ، أو أن أجره عند من بعثه ، وسؤال الأجر معنى آخر للسؤال ، كقوله تعالى : (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَما سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (٧٢) (يونس) وهى إشارة إلى أن الداعى إلى الله لا ينبغى أن يتقاضى أجرا من مال أو دنيا لقاء دعوته وتعليمه ، والدعوة إلى الله عبادة وقربى اليه تعالى ، وتعليم القرآن بهذه المقولة من نوع التأديب لهم ، فمن الأسئلة ما لا ينبغى أن يوجّه ، كقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللهُ عَنْها وَاللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ) (١٠١) (المائدة) ، وقوله : (فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) (٤٦) (هود) ، وكأنه تعالى ينهى عن السؤال ، مع أن السؤال عمدة التعليم فى الإسلام ، وهو أساس الحوار الذى هو منهج التعليم ، إلا أن الأسئلة قد تكون من باب الإعنات والعناد ، فتلك هى المنهىّ عنها ، وقد تكون للعلم والاستزادة منه ، ولترسيخ الإيمان ، ولاستجلاب اليقين ، وقطع دابر الشك ، وإنهاء العلم بالظن ، وهذه هى الأسئلة التى يجب أن يسألها المؤمنون ، وقد سألوا النبىّ صلىاللهعليهوسلم يطلبون العلم ، وسأله المكذّبون مكابرة ، وبعض ما قيل من أسئلة جاء بصيغة : (يَسْئَلُكَ) ، يقول (يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتابِ) (١٥٣) (النساء) ، و (يَسْئَلُكَ النَّاسُ) (٦٣) (الأحزاب) ، أو بصيغة (يَسْئَلُونَكَ) (١٨٩) (البقرة) وهى الصيغة الأغلب والأعم ، وتأتى اثنتى عشرة مرة ، وتوهم بالعدد الكثير للسائلين وتعظيم أسئلتهم ، وبعض السائلين كانوا أفرادا ، كسؤال عمرو بن الجموح ، أو عبد الله بن رواحة ، عن النفقة : كم تبلغ ، وإلى من تصرف؟ فكان الجواب على قدر السؤال ، فعدّد مصارفها ، قال : (وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ) (٢١٩) (البقرة) ، وقال : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللهَ بِهِ عَلِيمٌ) (٢١٥) (البقرة) ، وقال : (يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
