تحت سقفه ، بدليل أن آدم أسكنه الله الجنة وقال له : (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى) (١١٩) (طه) فكانت هذه الأشياء الأربعة مضمونة له ولأبنائه من بعده ، وليست من النعيم ، ولا يسأل عنها ، ولا يحاكم أو يقاضى بها لو حصّلها من أى طريق : ما يسدّ به الجوع ؛ وما يدفع عنه العطش ؛ وما يقيه سقفه الأعين والبرد والحرّ ؛ وما يستر عورته من اللباس. فهذه هى الضروريات التى تقوم على القول بها الفلسفة الاشتراكية للإسلام ، وأضيف إليها خمسة أشياء : ما يتعلمه ويقيه الجهل ؛ وما يعمله ويقيه البطالة ؛ وما يتداوى به ويقيه المرض ؛ وما يعيله فى شيخوخته ويقيه الحاجة ؛ وأن تكون له زوجة وأولاد. فهذه أشياء لا بد منها ، وما زاد عليها فهو من النعيم حقا. وفى اشتراكية الإسلام لا بد أن توفر الحكومة ، أو الدولة ، أو المجتمع ، أو النظام العام ، هذه الأشياء للجميع ، لأن فيها الحدّ الأدنى لإنسانية الإنسان ، ولن يكون الإنسان إنسانا إلا بها ، وفى الحديث : «ليس لابن آدم حق فى سوى هذه الخصال : بيت يسكنه ، وثوب يوارى عورته ، وجلف الخبز (أى الخبز وإن كان بلا إدام) ، والماء» وفى الحديث الآخر : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس : الصحة والفراغ» ، فنعلم : أن ما يحتاجه الإنسان فى شطر منه ضروريات ، وفى شطر منه لوازم ، وفى شطر منه كماليات. ومضمون السورة يتحدث عن الكماليات التى هى مدار التكاثر عند الأغنياء. على أن الجميع من النعم : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً) (٣٦) (الإسراء) وفى الحديث : «يؤتى بالعبد يوم القيامة فيقول له : ألم نجعل لك سمعا وبصرا ومالا وولدا؟» فهذه جميعا من النعم تكون للمؤمن والكافر ، فأما المؤمن فيستخدمها فى الصلاح فلا يسأل عنها ، وأما الكافر فاستعماله لها فى الفساد فهو عنها مسئول. والسورة على ذلك فيها الكثير من التعليم وفلسفة الاجتماع والفلسفة الاشتراكية ، وفيها الوعظ ، والتوبيخ ، والتهديد ، والإنذار.
* * *
٦٨٥. سورة العصر
السورة مكية ، وآياتها ثلاث ، نزلت بعد الشرح ، وترتيبها فى المصحف الثالثة بعد المائة ، وفى التنزيل الثالثة عشرة ، وتعتبر وسورة التكاثر أصغر سورتين فى القرآن ، وموضوعها سعادة الإنسان وشقاوته ، ونجاحه وخسرانه ، وفيها قسم بالعصر ، أى الزمان الذى دأبه النقصان ، فينصرم بسرعة ولمّا يستعد الإنسان لآخرته ، ويفجؤه الموت ولم يلحظ أن عمره ينقضى ، وحياته إلى زوال ، وأنه الخسران فى نهاية المطاف ، فلا هو كسب الدنيا ، ولا فاز بالآخرة ، كقول القائل :
|
إنا لنفرح بالأنام نقطعها |
|
وكل يوم مضى نقص من الأجل |
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
