من رسالة القديس بولس إلى أهل كولسى ، والتى يقول فيها : «فليكن الكل باسم الربّ يسوع المسيح ، شاكرين به لله الأب» ، تشبه «بسم الله الرحمن الرحيم» ، مع أن العبارتين تختلفان تماما من ناحية الاستخدام ، فضلا عن تباينهما فى الصياغة.
والنتيجة : أن «بسم الله الرحمن الرحيم» عبارة قرآنية وعربية صميمة وليس لها مثيل أو ضريب فيما سبق الإسلام من ديانات أو ملل أو مذاهب. ومع ذلك ينسب القرآن إلى سليمان أنه أول من كتب أو استعمل «بسم الله الرحمن الرحيم» ، إلا أنه يرد عن سليمان فى سفر الملوك الأول ، وفى صموئيل الثانى ، وفى أخبار الأيام الأول والثانى عبارات فيها التبرّك باسم الله ، وليس فيها أى شىء عن «بسم الله الرحمن الرحيم» ، والعبارة على ذلك قرآنية محضة. وقبل أن تنزل البسملة فى القرآن كان النبىّ صلىاللهعليهوسلم يستفتح بقول : «باسمك اللهم» ، فلما نزلت (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) (١١٠) (الإسراء) كتب «بسم الله الرحمن» ، ثم نزلت (وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) (٣٠) (النمل) فكتبها.
واصطلاح «بسملة» ، مثله مثل اصطلاح حوقلة ـ أى ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ، وسبحلة أى سبحان الله ، وحمد له أى الحمد لله ، وحيصلة أى حىّ على الصلاة ، وجعفلة أى جعلت فداك ، وطبقلة أى أطال الله بقاءك ، ودمعزة أى أدام الله عزّك ، وحيفلة أى حىّ على الفلاح.
وقال بعضهم : إن البسملة آية من كل سورة إلا التوبة ، وآخرون ذهبوا إلى أنها ليست من الفاتحة أو من غيرها ، إلا فى سورة النمل ، الآية ٣٠ ؛ والنبىّ صلىاللهعليهوسلم قرنها بالحمد لله ربّ العالمين ، وقال إذا قرأتم (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ) ، فاقرءوا (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ، وقال إنها إحدى آيات فاتحة الكتاب. وقيل : يجوز أيضا عدم الاستفتاح بها وهذا غير صحيح ، وبعضهم يقرأها فى النوافل دون المفروضة ، أو يقرأها سرا لا جهرا ، والمسألة فى كل ذلك اجتهادية لا قطعية ، والأصل فى الاختلاف أن المشركين كانوا قد استمعوا للصلاة من النبىّ صلىاللهعليهوسلم بالمسجد ، فقرأ «بسم الله الرحمن الرحيم» فقالوا : محمد يذكر رحمان اليمامة ـ يعنون مسليمة الكذاب ، فأمر النبىّ صلىاللهعليهوسلم بعدها أن يخافت المسلمون بسم الله الرحمن الرحيم ، ونزلت : (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً) (١١٠) (الإسراء) ، فمنذ ذلك اليوم صار هذا هو المتبع ، ونسى الناس السبب أو المناسبة ، ولم يذكروا إلا ما كان من المسلمين الأوائل ، ومثل ذلك حدث فى الرمل فى الطواف ، فقد زالت العلّة وبقى الرمل ، وكذلك بحال البسملة ، ولذا نرى قراءتها ، وأنه ما من شىء يمنع ذلك ، وإنما هى زيادة فى البركة.
![موسوعة القرآن العظيم [ ج ١ ] موسوعة القرآن العظيم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3910_mosoa-alquran-alazim-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
